الأربعاء، 1 يوليو 2009

حول المرأة واللغة



 

 افتتح الغذامي كتابه ( المرأة واللغة) بمقدمة قصيرة بدأت هكذا: يقول عبد الحميد بن يحي الكاتب ): خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعنــاه بكرا)، وكأنه بهذا يعلن  عن قسمة ثقافية يأخذ فيها الرجل أخطر ما في اللغة وهو((اللفظ)) بما أنه التجسد العملي للغة والأساس  الذي ينبني عليه الوجود الكتابي والوجود الخطابي لها، ، و يترك للمرأة المعنى ، لاسيما وأن المعنى خاضع وموجه بواسطة اللفظ ، وليس للمعنى من وجود أو قيمة إلا تحت مظلة (اللفظ ) .


هذا هو ما افتتح الغذامي  كتابه ( المرأة واللغة).


فالرجل منذ القدم أرسى قدمه في اللغة فاحتكرها واستولى على كل ما فيها هو المتكلم بها وهو واضع قواعدها وباني ضمائرها ومؤسس علومها .


وهو بعد أن تمكن منها اتخذها مادة له يحكي عن طريقها كل ما يجول في نفسه من خواطر وما يدور في نفسه من أفكار.


أخذ الرجل اللغة لنفسه  وأبقى للمرأة الحكي..جعل اللغة مذكرا ووضع المرأة بداخلها معنى.يعبر هو عنه بالألفاظ كما يريد ويشتهي .


كانت اللغة في الأصل أنثى .فالمرأة هي حاضنة اللغة وناقلتها إلى الأجيال الجديدة..هي التي تروي وتحكي ..وتعطي الألفاظ جمالها ورونقهــا.. ثم ضاعت هذه الأنوثة بعد احتلال الرجل لعالم اللغة وتحول الأصل الأنثوي ليكون كل ما فيها ذكورياً.
  فهذا ابن جني  يلقي مقولته التقريرية وهي (إن الأصل في اللغة التذكير ) فكل ما هو غير  مؤنث حقيقة فهو مذكر... مما حول اللغة إلى الفحولة وجعل ضميرها الأول  للرجل ..


بهذا وضع الرجل نفسه في مركز التكوين اللغوي الذي تدور حوله جميع المصطلحات كما يقول الغذامي فهو القطب والمركزكما أنه ضمير اللغة وسر تركيبهـا .


 فكل ما هو مذكر أو يخلو من علامات التأنيث ويكون جنسا عاقلا هو مذكر .


وحتى ما هو جمع مؤنث سالم سحب من المملكة النسوية فهو كما وضح باحث في اللغة هو عباس حسن... (يفضل كثير من النحاة الأقدمين تسميته الجمع بألف وتاء مزيدتين دون تسميته  بجمع المؤنث السالم لأن مفرده قد يكون مذكرا).


وهكذا فإلغاء دور المرأة في اللغة بدأ بجعل الضمير اللغوي مذكرا.... ولذا فإن  المرأة حين تكتب تجد نفسها تلقائيا تستعمل هذا الضمير المذكر.


الضمير المذكر هو المسيطر حتى في كتابات الكاتبات ، ومن اللواتي رصد الغذامي  إحالات الضمائر عندهن إلى الضمير المذكر..  غادة السمان ، سميرة المانع، رضوى عاشور ورجاء عالم وغيرهن


هذاأيضا   ما فعلته مي زيادة  في أحاديثها من قبل  في المحافل النسوية فهي تستعمل الضمير المذكر رغم عدم وجود  ما يدعو إلى استعمــاله


وكيفية استخدام الضمير المذكر في الكتابات النسائية  اقتبس لنا الغذامي مثالا عليه  الغذامي من كتاب نوال السعداوي ( الأنثى هي الأصل)   .. على شكل فقرة جاءت هكذا ( إن القلق لا يحدث للإنسان إلا إذا أصبح واعيـا بوجوده، وأن هذا الوجود يمكن أن يتحطم ، وأنه قد يفقد نفسه، ويصبح لاشيء، وكلما كان الإنسان واعيـــا بوجوده زاد قلقه على هذا الوجود وزادت مقاومته للقوى التي تحاول تحطيمه).


فضمير اللغة وباطنها يبقى مذكرا ،مهما فعلت المرأة من جهد.وهذه مفارقة طريفة ؛فرغم تسمية الكتاب بهذا الاسم وهو( الأنثى هي الأصل)  فقد بقي الضمير المذكر هو المسيطر ؛  ولذلك فإن مقولة( التذكير هو  الأصل ) التي أكدها ابن جني تأتي هنا واضحة تماما.


 


لقد جعل الرجل من اللفظ فحلا وجعل من المرأة معنى يعبر هو عنه كما يشاءفجاء الزمن مكتوبا ومسجلا بالقلم المذكر واللفظ الفحل.


كل ما يكتب هو بيد الرجل وعن طريق استخدامه للغة وحين جاءت المرأة أخيرا إلى الوجود اللغوي من حيث ممارستها للكتابة وجدت نفسها حائرة داخل لغة ليست من صنعها  وليست من إنتاجها .ولم تكن فيها سوى مادة لغوية وضع لها الرجل أبعادها و حدودها... وجعلها فيها موضوعــا يتحدث عنه .ويمارس عليه سلطته .فهي ليست سوى المعنى الذي يظهر في الحكايات والمجازات والكنايات .


المرأة في اللغة  كانت مجرد  موضوع وليست ذاتا ثقافية أو لغوية.  فهي خارج اللعبة أي( خارج اللغة).


ولأن اللغة هي أساسا للرجل ،صار الرجل يتحدث عن المرأة، ويضع لها من الأوصاف ما يشاء وكما يصور له خياله ...ومع الوقت تحولت لتصبح مجرد جسد ليست له من وظيفة إلا إثارة الرجــل وإغراءه.


والرجل حين منح الرجل المرأة حق الحكي والسرد فإنما فعل ذلك ليتسلى ويستمتع بذلك وهكذا رأينا شهرزاد..التي ظهرت في زمن ما قبل الكتابة ( كتابة المرأة ) ......هي  بطلة ( ألف ليلة وليلة )، حيث لم تكن تحكي وتتكلم ، أي تؤلف فحسب ، بل كانت أيضاً تواجه الرجل ، ومعه تواجه الموت من جهة ، وتدافع عن قيمتها الأخلاقية والمعنوية من جهة أخرى ..


جاءت شهرزاد ... لتقاوم الرجل بسلاح اللغة ، فحولته إلى ( مستمع ) وهي ( مبدعة ) ، وأدخلته في لعبة المجاز وشبكته في نص مفتوح ، تقوم الحبكة فيه على الانتشار والتداخل والتبدل والتنوع . وتاه الرجل في هذا السحر الجديد ( وإن من البيان لسحرا )


هذه أوضح معركة بين المرأة والرجل وأبرز مثال على استخدام الأنثى للغة . نجحت المرأة فيها حيث عرفت كيف تستخدم اللغة ، وكيف تجعلها ( مجازاً ) محبوكاً ومشفراً . وهذه الحبكة والتشفير أثمرت ثمارها بنقل المرأة من المهزوم ( الموؤد ) إلى الند .


وبما أن شهرزاد جاءت في النص بوصفها صاحبة القول وصاحبة الحديث فإن أول سؤال يرد هنا هو سؤال المؤلف / المؤلفة . وهل كانت شهرزاد تحكي فعلاً أم أنها مجرد شخصية روائية من صنع رجل تخيل النص وكتبه ....؟


أي هل كانت شهرزاد مجرد ضيف أنيق حل على النص أو أنها صاحبة الدار ووالدة الجنين...؟


لقد انتهت في نهاية النص بإن نجبت ثلاثة أولاد ذكور ( راجع الليلة الأخيرة ) . وهنا نلحظ التشابه الشديد بين اللغة المجازية والمرأة من حيث الإنجاب والتوليد . وفي هذه اللغة وعند المرأة يكون التناسل والتكاثر مثلما كان السرد في هذه الليالي بمثابة الحضانة والإرضاع من جهة البطلة الساردة ( شهرزاد ) لزوجها المتوحش ( شهريار ) .


ذلك الرجل المريض بسوء الظن وحب الانتقام ، والمرأةالتي جعلته يكره النساء لخيانتها وغدرها ...و التي هي السبب في حالة التوحش وحب الإنتقام  التي هو عليها.


ثم في نهاية الليالي  نرى رجلا معافى وزوجته سعيدة وبينهما ثلاثة ذكور ( الليلة الأخيرة ).


 فشهرزاد أجلست زوجها قرابة ثلاث سنوات تعالجه باللغة وتروضه بالسرد ، وتتعامل معه كمريض نفسي محتاج للعلاج إلى أن شفي  من دائه  ، وتم إنقاذ بنات المدينة من الموت من الموت..


ومن علامات أنوثة النص حدوثه في الليل واستتاره عن النهار . فشهرزاد تتحدث إلى أن يطلع عليها الصباح فتسكت مع طلوع الضوء عن الكلام . إنه نص محجب مستور اتخذ من الليل حمارا وحجابا .


وألف حكاية ليست سوى حكاية واحدة ،


وألف ليلة ليست سوى ليلة واحدة ،


وشهرزاد هي النساء كلهن جنسا ونوعا ،


هي امرأة مختلفة تتنكر في زي جارية وتعمل على ترويض ( شهريار ) عن طريق القص والحكي .


ومع شهرزاد نجد امرأة  كانت ثقافتها بمثابة التحول النوعي في وجود جنس المرأة؛ فها هي امرأة تجيد فن الحكي وتعرف كيف توظف ثقافتها من أجل درء الموت عن جنس النساء . امرأةاستعملت اللغة لتواجه وحشاً مفترساً وسلكت أقرب الطرق للإقناع وهو تقديم ( المرأة ) حسب النموذج المرغوب فيه في عالم الذكور وهو مثال المرأة ( الجارية ).


وتسحبنا حكايات شهرزاد إلى قصة جارية مختلفة


  تأتي تودد الجارية في قصص ألف ليلة وليلة وكأن شهرزاد تسجل بها انتصار الأنثى الضعيفة على الرجال الراسخين حيث تكتسح المرأة عالم الرجل وثقافة الذكور .


يورد الغذامي مثال تودد الجارية المعروفة كأول نص أدبي تتجسد فيه لغة المرأة وتبرز فيه الذات الأنثوية بوصفها ذاتا قادرة على الفعل وعلىالمواجهة.وعلى التفوق والنجاح


لا تقدم  الأنثى هنا ثقافتها الخاصة ولا لغتها الذاتية ، بل  تخطف سلاح الرجل وهي اللغة ثم تصوبها نحوه لتهدم صنم الفحولة من عليائه .


،ومثلما فعلت شهرزاد تأتي تودد  فتتفوق على بنات جنسها بهذا الجسد المثقف ، وتحقق للجنس المؤنث مكسبا حضاريا مجازيا يعطي شهرزاد سلاحاً بليغاً استخدمته أربعا وثمانين ليلة لكي تسرد حكاية هذا الإعجاز النسوي الخارق .


، وبذا تكون ( تودد ) رمزا لرغبة وجودية ذات عمق بعيد في اللاوعي النسائي ، تم التعبير عنه مجازيا من خلال هذه الحكاية التي تحكيها المرأة عن المرأة وتصبها في آذان الرجل صبا من أجل تعميق دلالات الحكاية وترسيخها في مسامع الرجل وفي تذكره المتواصل للأحداث .


ظلت المرأة تكتب ـ إن كتبت ـ وتحكي وتبدع ضد نفسها ، لأنها تتكلم بلغة الرجل وثقافته وتفكر بتفكير الرجل . وهو تفكير احتل اللغة واستعمر الثقافة حتى صارت اللغة رجلا وصارت الثقافة ذكراً . ولم تمتلك المرأة لسانها الخاص في هذه المرحلة ( مرحلة زمن الحكي )


ولننظر ماذا يقول المهيمنون على اللغة أي الأدباء والكتاب والفلاسفة وغيرهم عن المرأة ؛ فهذا هو العقاد يقول عنها :إن المرأة خلقت جميلة لسبب واحد وهو أن تسعد بها عيون الرجــال كما تسعد بالنظر إلى الفاكهة.منطق  ذكوري .


والمعـري يحذر من خطر تأثيرالمرأة على الأطفال الذكور ويطالب بعزلهم عنها متى بلغوا سنا معينة حتى لايتأثروا بطباعها وأخلاقها..وتدعو حضارة اليونان القديمة الرجال إلى التماسك وعدم إظهار الهزيمة  والإستسلام للنساء .


بينما جعلها حمورابي   في قوانينه حقا مملوكــا للرجــل يرهنها ويبيعـــها حسب ما يريد


 


والفلاسفة احتقروا  المرأة وقللوا  من شأنها ؛


فأفلاطون  يأسف على أنه إبن لإمرأة ويزدري أمه لأنها أنثى.ويرى الجمال الكامل في الرجل لا في المرأة.


وأرسطو يقول  ( أن المرأة ضرورية للرجل ضرورة العبد للسيد ) .


لقد ظل الرجل يعتبر نفسه حارسا للغة حتى لاتقتحمها المرأة وحين تجرأت المرأة على دخول عالم اللغة كان الرجل لها بالمرصاد .فأنكر دخولها واعتبر أن في ذلك انتقاص لجمالها وأنوثتها.إماإن أصرت فهي إما عانس تبحث عن زوج أو يائسة من الحصول على رجل فهي تتسلى بالكتابة.


 


 


وتتوالى أحكام الرجال واحتكارهم لحق اللغة على مدى التاريخ ...ويهدر شأن المرأة في اللغة حتى إذا جاءت بعد انتظار طويل  تطرق أبوابها  ككاتبة تسعى إلى فك طلاسمها واستكشاف  أسرارها التي كانت حكرا على الرجل لعهود طويلة...وجدت نفسها ضائعة في غاباتها ولم اتجد ماتقوله سوى أن  تحكي (مأساتها الحضارية) كما دعاها االغذامي وتشكو مما وقع عليها من ظلم وما تعرضت له من قمع على مدى الدهر .


إنَّ خروجها من عالم الحكي الذي سمح لها الرجل باحتلاله إلى عالم الكتابة الذي هو من اختصاص الرجل جعلها تدخل   إلى أرض معمورة بالرجل أو هي مستعمرة ذكورية . وهي هنا لا تدخل الكتابة بوصفها سيدة النص إذ إن السيادة النصوصية محتكر ذكوري . بل هي تأتي  بوصفها ناتجاً ثقافياً جرت برمجته وجرى احتلاله بالمصطلح المذكر والشرط المذكر . ولذا فإن المرأة تقرأ أو تكتب حسب شروط الرجل ، و تتصرف مثل الرجل أو بالأحرى تسترجل . وكما نادت مي زيادة في خطابها إلى باحثة البادية حيث تقول : ( نحن في حاجة إلى نساء تتجلى فيهن عبقرية الرجل ) .


وحين سئلت هدى بركات عن السبب في اختيارها الرجل كبطل لمعظم مؤلفاتها أجابت بالتالي :


( لأن ما هو مطروح من أشكال الوعي والسلوك على الرجل العربي هو أصعب وأشمل مما هو مطلوب عموماً من المرأة .... وبتعبير آخر : المرأة في مجتمعنا مكفوفة عن أن تكون أحد أبطال التشكيل الاجتماعي ، فكيف تريدينني أن أخترع ـ روائياً ـ شخصية غير موجودة في الواقع )


لقد ظلت علاقة المرأة مع اللغة علاقة مضطربة . فهي عنصر هامشي لم تسهم في صناعة الكتابة ولا في إنتاج المكتوب . وكانت مجرد موضوع أدبي أو أداة من أدوات البلاغة ومجازاتها ورموزها التعبيرية والدلالية . وكان لها محاولات من خلال ممارسة الحكي ، وإقحام صورتها وأحلامها بواسطة ( الحكاية ) مما مكنها من التسرب والتسلل شبه الخفي إلى قلعة اللغة ، وتحقق لها جزء من الانكتابية السردية بوصفها حكاية عجيبة ونادرة طريفة .


وترى مي زيادة أن الرجل ( يسر ويرجو ويريد أن تشعر المرأة باستبداده ظناً منه أن الاستبداد هو السيادة ) وترى أن الرجل يحب من المرأة أن تتمرد عليه ( لأنها كلما زاد تمردها زاد شعوره بالسيطرة عليها من خلال قمعه لهذا التمرد ـ (الأعمال الكاملة )


 


 


قليلة هي  الكتابات النسائية الرصينة التي نجد فيها صدى لماتعرضت له المرأة من قمع لغوي وتعسف فكري ، والتي نلمح فيها محاولات واعية لتوضيح مسألة احتكار اللغة من الرجل والرغبة في التعويض  عن القصور في السابق، وإثبات الذات النسائية كمخلوق فاعل ومفكر ومنشيء للنص .


ونظر بعض الرجال إلى منافسة المرأة لهم في مجال الكتابة نظرة مستنكرة .


لقد قال بعضهم لمي زيادة إن العلم ضد الأنوثة والجمال ... وكأنما المرأة تفقد أنوثتها كلما توغلت في اللغة قراءة وكتابة .


تكتشف المرأة الكاتبة مدى الصعوبة كبيرة في إثبات نفسها  هذا إن كانت كاتبة جادة .أما إن كانت تحاول فقط تسلية نفسها بالكتابة وكان لها من جمالها وشبابها مايشفع لها تهورها هذا فهي تقابل بالمديح الكاذب والتملق فقط لكونها إمرأة وليس لماتنتجــه من أدب أو فكر.


ولكن مهما كان الأمر فوجود المرأة في عالم الكتابة  محاط بكثير من المخاطر والتوجسات إذ أن


الرجل لم يستطع قبول المرأة كعضو فعال ومشارك في المجالات التي خططها ورسم حدودها لنفسه .


لقد رسخت صورة  المرأة في الأذهان مجرد  كائن اندماجي لاكائناً مستقلاً بذاته . هي بنت فلان وزوج فلان وأم فلان . حتى حينما ظهرت كاتبة وشاعرة كانت تظهر بهذه الصفة ، فهي ( أم عبد الصاحب الملائكة ) ،أوهي ( أم نزار ) ومضى زمن لكي تظهر البنت والحفيدة التي تجرأت على حمل مسؤولية اسمها المستقل لتكون ( نازك الملائكة ) وليست بنت فلان أو أم فلان .


 


ومن وسائل الضغط التي واجهتها المرأة الكاتبة ما يلي :


- اتهامها بأن رجالاً يكتبون لها .


- تزهيدها في الكتابة وتخويفها منها .


- إيصالها إلى حافة الجنون كما حدث لباحثة البادية ومي زيادة .


- اتهامها بالتطفل على الكتابة ، وأن العلم والثقافة ليسا للمرأة وأن كتابتها دلع .


لقد كانت مي زيادة علامة على مرحلة ثقافية متميزة في علاقة الأنثى مع اللغة . فهي امرأة ترمز إلى جيل نسوي ظهر مع مطلع القرن العشرين متمثلاً بأعداد من النساء العربيات اللواتي أخذن بمحاولة الدخول إلى اللغة ، وحاولن أن يتكلمن بلغة لم يكن موجودات فيها .


فالصالون ـ إذن ـ هو بمثابة معادل لغوي


ولأن أولى وسائل الرجل هي عدم أخذ المرأة مأخذ الجد..واعتبارها ما تقوم به من التسلية أو المباهاة أو استعراض جمالها وصفاتها الأنثوية أمام أعين الرجـــال لذا فقد قوبلت مي زيادة من رواد صالونها الأدباء بالتهليل والترحيب ولكن  لجمالها ولطفها لالثقافتها وكونها أديبة مميزة ....لقدتبارى هؤلاء الأدباء في التغزل بها وإظهار إعجابهم بمحــاسنها كإمرأة وكل واحد منهم يريد أن ينال إعجابها ويحضى بمنزلة مميزة لديها ……وهكذا تحول صالونها من مجلس أدبي إلى مجلس يتمتع فيه مجموعة من الذكور بمنظر فتاة شابة جميلة  تجيد التعبير وتحسن الحديث ..وهذا ماجعلها تتجنب الإندفاع نحو واحد منهم وتكتفي بحبيب بعيد تشكوإليه همها وألمها .وتتمنى الإندماج فيه لتحقق قيمتها كإمرأة لايكتمل وجودها إلا بالرجل


ومع ذلك ظلت في أعماقها تشعر بتفوق الذكر وتسلطه على اللغة وأدواتها.وهذا ماجعلها تتخبط بين مصطلحات عديدة تهدف منها إلى إرساء دورها وتثبيت أقدامها في مجال اللغة ومع ذلك  فإنها لم تنجح في الخروج عن ولايته في هذا الميدان .


يقول الغذامي:( كالعادة تأتي الضحية لتقوي سلطة المستبد ونشاهد المرأة تندفع وراء مصطلح (إنساني) أو( أدب إنساني ) داعية إلى الأخذ به ).


ثم يتساءل .هل الإسترجال هو طريق المرأة الأوحد للتخلص من عبودية الرجل ؟


هل تستطيع المرأة  أن تعبر عن أنوثتها بنفسها  أم تترك ذلك للرجال؟.وهو يضرب مثالا على ذلك بإحسان عبدالقدوس الذي كان يكتب عن مشاكل المرأة وهمومها.


يقول الباحث إن الرجل لم يحسن التعبير عن المرأة لأن رصيده الثقافي الذكوري يجعله غير قادر على فهم المرأة بصورة جيدة.ولكن هل أحسنت المرأة التعبير عن نفسها بعد أن صارت قادرة على الكتابة ؟


في الواقع أن المرأة أمسكت  بعنان اللغة ونافست الرجل في امتلاكها وفي التعبير بها ولكن الكثير من الكاتبات مازلن يرزحن تحت عقدة الإضطهاد فكتاباتهن خاصة  في العالم العربي لاتزيد عن كونها  نياحة وعويلا  ....تكاد تكون مجرد ( ولولة نسائية)أوخربشات على الورق  لاهدف لها سوى  الشكوى من ظلم الرجل وتعسفه وسيطرته.


 


 


ثم يتحدث الغذامي  بعد ذلك عن علاقة المرأة الكاتبة بالإكتئاب  والمرض النفسي ....إذ أن خروجها  من الخدر إلى الصقيع..يشبهه  بهجرة من الموطن الأصلي إلى المنفى.فهي تخرج من عالمها المحاط بالحماية وبالسكينة إلى عالم مجهول ومكشوف .


إنها تخرج من عالم الحكي المستور إلى عالم الكتابة المكشوف..عالم اللغة الساطع...كما دعته مي زيادة.


والوعي كما يعبر الغذامي مثير للقلق ، فالمرأة الكاتبة تنتقل من عالم الراحة إلى عالم القلق ..وهذا القلق يرتبط بمشكلة الحرية.


تخرج من رحم الحكي إلى نهار اللغة الساطع ، وتتحدى بذلك الرجل الذي سجنها  داخل اللغة لعهود طويلة وهي تدفع راحتها وسكون أيامها  مقابل الخروج من هذا السجن .


تصبح خارج المكان لاداخــلهخارج اللغة حيث اللغة لتكشف عن ذاتها من خلال هذه اللغة التي استعبدها الرجال بواسطتهــا.


وبمعنى آخر تخرج المرأة إلى عالم الألم مع إمساكها بالقلم الذي استعماله كان حكرا على الرجل إلى حيث يواجهها عالم من الألم ومن التعرض للإكتئاب


لم يعرض علينا الغذامي سوى حالتين لما تتعرض له المرأة الكاتبة من ألم ومن اكتئاب ……اكتئاب مي زيادة التي أودى بها إلى الجنون ومن ثم الموت في عزلة ووحدة تامة..واكتئاب باحثة البادية ملك حفني ناصف الذي ساقها أيضا إلى اضطراب الأعصاب ثم الموت كمدا وغمـــا.


وهناك حالات أخرى هي انتحار فرجينيا وولف والشاعرة المعروفة سيلفيا بلاكوغيرهما


 


ومع بروز المرأة العصرية الكاتبة برز الحزن رفيقاً لها وعلامة على حياتها . ويقرر أحد الباحثين قائلاً : ( في مراجعة شاملة للأدب النسوي المعاصر منذ فجره حتى أوائل الحرب العالمية الثانية يتبدى طابع حزين منقبض يغمر أدب المرأة ويكاد يصبغه بصورة مظلمة قاتمة ).


تقول الكاتبة الفرنسية لويز ميشال : ( ليس من ألم يضاهي ألم المرأة ) .


 


وعن المرأة الكاتبة وكيف أنها ظلت أسيرة أفكار الرجل عنها ..ومحاولاته إبعاده لها عن عالم الكتابة ومحاولاتها هي في  التغلب على قيودها ومن  ثم المجيء إلى عالم الكتابة يتحدث الغذامي  ويشرح كيف وماذا ستكتب المرأة  بعد أن أصبح مجال الكتابة مفتوحا أمامها.


هل كتابتها ستكون مجرد إفصاح عن أنوثتها أم ستكون  هروبا منها؟..هل المرأة حين تمسك القلم وهو مذكر بفعل احتكار الرجل له……هل ستكتب كأنثى كاملة الأنوثة .أم ككاتبة كاملة التميز في إبداعها؟.


اتخذ الغذامي من الأديبة غادة السمان  مثالا على المرأة ككاتبة كاملة في طريقتها ككاتبة تعمل على تحرير اللغة....  وكأنثى تعمل من خلال كتاباتها على الكشف عن أنوثتها.


واستعان ببعض النماذج من أدبها لتوضيح هذذه الفكرة واستنتج منها أن غادة السمان كاتبة تطغي على كتاباتها فكرة  قتل الأنوثة والتعالي على النسوية فهي تشعرنا بكراهيتها  للمرأة الأنثى التي تحبل وتلد وترضع والتي تتمثل في المرأة ذات الجسد المتهدل والبطن المنتفخ بفعل الولادات المتكرة .


وتسعى إلى التخلص من الجسد الأنثوي المكرس للحمل والولادة  بحيث تصبح مثل الرجل ولكن دون أن تكون رجلا. من حيث أن جسد المرأة جميل لولا أنه مخصص لأعمال الأنوثة وواجباتها من حمل وولادة ومايتبع ذلك من تشويه .


ثم نأتي إلى الفصل الذي يسميه( الخراب الجميل ، تسترد اللغة أنوثتها)وفيه يشير إلى أن المرأة التي تجرأت على دخول عالم الرجل الذي احتكره لنفسه....جاءت  لتطرح ذاتها في الخطاب الأدبي وتدافع عن أنوثتها ...مما يستدعي تخليص اللغة من فحولتها التاريخية ..وهكذا تحولت اللغة إلى أنثى تتكلم وتعبر عن نفسها .


هذا معناه أن اللغة التي كانت في الأصل أنثى والتي  حولها الرجل إلى جنس ذكوري فيما بعد حيت امتلك أدواتها وجعلها خاصة به ... كما قال ابن جني( الأصل في اللغة التذكير) .هذه اللغة استعادت أصلها الأنثوي عن طريق دخول المرأة إليها وهذا ماأعلنته أحلام مستغانمي في روايتها( ذاكرة الجسد) حينما أعلنت في أحد فصولها( نحن نكتب لنستعيد ماأضعنـــاه  ومــا فقد منـــا) ورغم ماتقوم به الكاتبات فقد فشلن في استعادة الأصل الأنثوي الذي بقي   ذكورياً حسب مقولة ابن جني ( الأصل في اللغة التذكير ) حتى بعد دخول المرأة إليها.


لقد  عززت المرأة الكاتبة  قيم الفحولة في اللغة . وهذا هو عين ما حدث مع الشاعرات النساء في العصور الأولى منذ الخنساء إلى عائشة التيمورية  .غابت المرأة كمؤلفة وغابت كقارئة أيضاً . ولم تفعل المرأة في هذه المرحلة أي شيء لتأنيث اللغة وإنما كانت تعزز الفحولة وتقوي مواقعها ، تماماً مثلما يتعاون المواطن مع المستعمر ويقوي من قبضته على الأرض وأهلها . ولذا تلاحظ لورا ملفي : ( أن المتعة الوحيدة في السرد الكلاسيكي هي متعة الرجل ، أما موقع المرأة المتلقية فهو مرقوم بالغياب ) .


إذن كيف للمرأة أن تتكلم وهي خارج الكلام ؟ هذا سؤال طرحته مي زيادة وهو سؤال يدل على وعي المرأة باللغة .


ماذا تحتاج المرة؟..وماذا تحتاج اللغة ؟


تحتاج المرأة إلى التعبير عن نفسها بأمانة ودون خوف من تعسف الرجل .


وتحتاج اللغة إلى امرأة تناضل من أجل أنوثة النص وأنوثة قلم الكاتبة ، لكي ترد اللغة إلى أصلها الأول وتسعى حقاً إلى تأنيث المؤنث. وهذا ما فعلته أحلام مستغانمي في روايتها ( ذاكرة الجسد .


اعتلر الغذامي هذه الرواية  نقلة واضحة في الكتابة النسائية..نقلة من من شاعرية الفحولة إلى شاعرية الأنوثة .


ففيها ..أي في(ذاكرة الجسد )( تحضر المرأة بوصفها مؤلفة تبتكر الشخصية وتبتكر لغة البطل وتعبر عنه كما تريد وتأتي الحبكة الجوهرية فيما بين جملتين مركزتين في أول صفحة من الرواية وفي آخر صفحة وهما كالتالي ( الحب هو ما حدث بيننا ... والأدب هو كل ما لم يحدث ص 7 ) ( الحب هو ما حدث بيننا ... والأدب هو كل ما لم يحدث  ص 403 ) في هذه المسافة المكانية والزمانية تمت إعادة صياغة الفحل وجرت انكتابية الكاتب وتأليفية المؤلف . وتحررت المرأة من كونها موضوعاً للغة لتكون الفاعلة والمؤلفة ومنتجة النص) .


لقد عملت الكاتبة هنا  على تحويل الرجل إلى مادة كتابيةوسلبته فحولته حينما جعلته رجلا ناقصا مبتور الذراعوبحاجة إلى المرأة المحبوبة.


واللغة في الواقع هي بطلة النص  الحقيقية .... فما كتبت هذه الرواية إلا من أجل تمجيد اللغة ... هذا هو رأي الغذامي وهو ينقل لنا بعض الأمثلة ليستشهد بها على صحة ما ذهب إليه ....


تحكي لنا أحلام كيف دخلت أحلام (البطلة)على خالد في معرضه الفني بباريس بثوبها الأبيض ،يكللها بشعر كثيف أسود يغطي البياض ويداخله . ووقع خالد ما بين البياض والسواد .


فهل كان هذا البياض المكلل بالسواد يعني بياض الورق وسواد حروف اللغة .أم كان هذا اللقاء بين الأبيض والأسود مجرد تقابل جمالي.


 إنها زينة تحلي الجسد المكلل بهذين اللونين وتجذب عيون الرجل لهذا التكوين الأنثوي الجسدي المغري.


 يعتبر الغذامي رواية ( ذاكرة الجسد ) تطويراً  لمهارة السرد عند المرأة وتوظيفاً لمكتسباتها.


 لقد احتالت المرأة بالسرد لاقتحام قلعة اللغة ودكت بذلك حصون الرجل المضروبة حول مدينة اللغة ، كما فعلت شهرزاد.


كيف تؤنث الذاكرة ؟


يضرب الباحث أمثلة على تأنيث الذاكرة:


بكتابات نسائية عديدة ، منها كتابات رضوي عاشور ( غرناطة ) ورجاء عالم ( نهر الحيوان ) وأميمة الخميس ( والضلع حين استوى ) ، وكتابات منيرة الغدير وسحر خليفة


وهاهي بعض هذه الكتابات التي استعرضها الباحث  لإظهار  مسعى المرأة الكاتبة ومحاولاتها الحريصة على ( تأنيث الذاكرة ) .


إن المرأة تحاول من خلال كتابتها إيصال صوتها للرجل.انها تحوله من ثقافة الحكي إلى ثقافة الكتابة..هذا ماتعلنه  منيرة الغدير حين تقول:


سأبحث  عن عين مــاء


وصيغة أخرى للضوء


وإسم لحصان عريق وعباءة


.سأتوج ذاكرتي  بصور أعناق خيول جامحة


وأبدأ ما ايشبه القراءة،


اسمع.اسمع


إنه حفيف البنفسج  يدخل متاهة أذنك


صوت شجرة ذات أغصان لامتناهية،


صوت يخترق خزائن رأسك ،


يهرب من صوت الذاكرة


هل تسمع صوتي


ثمتتحدث عن تفجير الذاكرة في مقالة لها بعنوان (ثنائية الصوت نهاية الفلسفة)ونشر في جريدة الرياض بتاريخ 14/10/1993


( حجرة خالية إلا من جسدي شبحين انفصلاعن تاريخ المدينة وناسها .


امرأة تحلق داخل رأس امرأة، وتنهمر تواريخ مدخرة تقطر نسياناعلى لامبالاة.


انظر إليها وتنظر إلىَّ ، لكن النظر جرد من معناه الحسي .


تنظر إلينا ، ننظر إلى المكــان وحدوده المرسومة بإمعان ، لكننا لانشعر أننا موجودتان هنا .في حجرة خالية ، فوق أرض خشبية وأمام خزانة مشرعــة ، وتلفون معطـــل .


ذاكرتان تستبدلان الأمكنة .


ذاكرتان تقايضان  الحكي بالتذكر المجزوء……المتقطع /الآن اجتمعن في ألفة التجربة )


نعم هي الذاكرة تتفجر وتعلن تفجرها ومن ثم البحث عن ذاكرة جديدة واعية تكون المرأة جزءا مهما فيها.


ثم في نص آخر تقول:


( هذه الذاكرة تنفتح كرمانة تغمرني حباتها ، بكائية اللؤلؤ والولادة .


قطفوا وردة حمراء من داخل جسدي ثم احترفت الذهول .


أنا المسحورة ، المسحورة ،


أمشي في ذاكرة الأمكنة ما بين التلال والهضاب .


أنا المسحورة في ضجة القيظ ، وبلورية الشمس ، هنا أحاول فك سحري بقراءة تعويذتي الأخيرة أمام متاهة الصحراء الخالدة .


سأكشف السحر المكتوب فوق أقحوانة البر ، حنجرة الرواية بدأت تضيق ، تبلع حشرجتها ... وأنصت للقص ) .


كلهم يمتصون الدم من جسد المرأة)


والخلاصة :


إن غياب المرأة عن اللغة قد جعل الرجل يتصرف بها كيفما شاء ثم حين عادت المرأة إلى اللغة لم تستطع أن تعبر عن نفسها بعيدا عن سيطرة الرجل وتحكمه، بل بقيت محكومة بسيطرة الرجل اللغوية .


 


فالمرأة  الكاتبة تعلن عن غايتها لكنها تتأرجح بين يقين الرغبة وشكوك التحقق ، لأنها كائن غير متوازن منذ أن كان اللفظ فحلاً والمعنى أنثى ، وكل مسعى للتلفظ يوقع في شرك الفحولة والاسترجال , وهذا ما يشككها في توازن مزعوم ما دامت اللحظة هي لحظة الرجل . والكتابة لا وجه لها إلا وجهة الرجل . وهذا ما دعا المرأة لأن تلتفت مرة ثانية باحثة عن اليقين الذي لا تملكه :


( سألتفت مرة ثانية ... وإن كنت أشك في قدرتي على مطاردة أحصنة اللغة ... فأنا على يقين أنني أكتب أمام وجهك العاري كالخزف وأغني لكل الخيول ).


( احترقت الحفر على الجدار والخربشة على النافذة وفك غزل السجاجيد ومعاطف الطفولة ، وها أنا أحيا في عالم من الخيوط وعلامات الجروح ، وكل ما أراه هو آثار الخطى والعباءات فوق الرمل من نافذة في أعلى الجدار ).


، هم الذين نعلمهم والذين لا نعلمهم ، وهي ذاتها تشق عن صدرها لتقطف ورود الدم الحمراء . هذا هو ثمن الذاكرة وقد انفرجت عن نسائها القابعات داخل ظلامها الدامس إلى النهار الساطع ، كما فعلت مي زيادة من قبل .


وتقول منيرة الغدير أيضا  :


( الآن في جسد هذه اللحظة أعترف أنني أخشى المعرفة ، وكلما حاولت الكتابة أصبت بذعر كائن صغير ، فقد يأتي ويشطر أصابعي أو يختلس من النظر )


اكتشفت المرأة أخيراً أن لأصابعها وظيفة أخرى غير الطبخ والغسيل ، ولكن اكتشافها هذا صار مصوراً لخوف ظل ينازعها فرحة الاكتشاف ، وهو أن تفقد هذه الأصابع ، وتجد في ذاكرتها ما يثير فزعها على أصابعها ، فالرجل يلهث وراءها مبيتاً النية ضد الآلة النسائية الجديدة


إنها تحيا في الموت أو بين جدارين ، وها هي تقول : ( أنا أحيا في الموت كمعظم هذه الكائنات الصغيرة التي اختارت الفص الملون من فصوص الدماغ للتفكير والتذكر )


في محاولة منيرة الغدير  تأنيث الذاكرة كانت المسافة ما بين جدارين هي الحيز الكوني المتاح للمرأة، وكان الحل هو ابتكار شخوص نسوية تتخذ اللغة من داخل اللغة وسيلة لإحداث فوهة في الحجر .


وتأتي رجاء عالم لتجد نفسها وشخوصها داخل هذه المسافة الضيقة فيما بين جدارين فتلجأ إلى الحلم ، لا بمعنى الهرب الرومانسي الساذج ، وإنما هو هروب إبداعي يخرج من الزمن إلى زمن آخر ومن المكان إلى مكان آخر ويتسلق من قمة جدار إلى جدار آخر ، وهكذا إلى ما لا نهاية ، حيث لا يكون الظرف قيداً أو مانعاً . لقد انكسرت حدود المكان وتم نفخ الزمن لكي يتمدد أو يتقلص حسب حاجة الأنثى وظروفها المحيطة بها .


هذا بديل إبداعي نجده في كثير من أعمال رجاء عالم حيث تتداخل الأجناس والأمكنة والأزمنة . 


وكما يرى الغذامي فإن للذاكرة وجــها آخر  يحمل صورة ( الجارية ) والضحية ، ويظل مخبوءاً تحت الكلمات وخلف المجازات . وهذا ما تكتشفه كتابات سحر خليفة ، حيث نرى روايتها الكاشفة ( لم نعد جواري لكم ) تحمل شارة الذكرة السلبية . ويأتي عنوان الرواية ليستحضر صورة ( الجارية ) والجواري ويضعها في سياق النفي


نفسها في جملة منفية . هذا ما يقوله عنوان الرواية .


ـ ماذا باستطاعة عصفور في قفص أن يفعل ...؟


هذا سؤال يطرحه عبد الرحمن أصدق رجال الرواية وأخلصهم وتجيب عليه سميرة قائلة :


-  يغرد


-         يغرد .....


 


قالت هذا وابتسامة مضيئة على وجهها ، وفي عينيها بريق من يخرج الكلام من أعماق قلبه .


إذن فاللغة هي تغريد بالنسبة للمرأة ..هي الصوت الذي يملكه الطائر المسجون في قفص الذاكرة.


ماأجمله من تعبير! .وماأحلاه من ختام لهذا الموضوع النادر من نوعـــه!


أخيرا يدعـــو الغذامي المرأة إلى أن تأخذ دورها في عالم اللغة وذلك لن يكون إلا عبر المحاولة الواعية نحو تأسيس قيمة إبداعية للأنوثة تضارع الفحولة وتنافسها ، وتكون عبر كتابة تحمل سمات الأنوثة وتقدمها في النص اللغوي لا على أنها ( استرجال ) ، وإنما بوصفها قيمة إبداعية تجعل ( الأنوثة ) مصطلحا ً إبداعياً مثلما هو مصطلح ( الفحولة ).


وأرى أن تلتفت  كل كاتبة وكل أديبة  لهذه الدعوة النبيلة والمخلصة من باحث قدير وعليم بأسرار اللغة وقيودها وإغواءاتها لتخرج من قوقعتها وتشارك بوعي وفهم في ميدان اللغة  وتثبت مكانتها فيها ......ولاتستسلم للشرك الذي أوقعها  فيه الرجال الذين استلبوا منها حق التعبير باللغة ..و حق مشاركتهم إياها كما سلبوهــا حقوقا أخرى كثيرة.فهـــل تستطيع المرأة ذلك؟


يبقى التساؤل .ومن حق الجميع التساؤل ووضع الإجابات .من أجل تسهيل دخول المرأة إلى عالم اللغة وترسيخ دورهامن خلال كتابات نسائية فاعلة ومؤثرة ؟


هذه محاولة مني لعرض فكرة الدكتور الغذامي عن اللغة وعلاقتها بالمرأة وقد اعتمدت في معظمهــا على ماقاله وعلى أمثلته  نفسها دون تعديل ...وأضفت إليها بعض ماوجدته مناسبا ...وله الشكر على هذا المجهود الرائع الذي قصد به تنشيط دور المرأة المثقفة والكاتبة وتفعيل دورها في عالم الأدب ....عالم اللغة الجميل .


وأخيرا :


لابد لنا جميعاً من قراءة واعية ومتأنية لهذا الكتاب الذي أراه فريدا من نوعـــه في عالم الثقافة العربية .والله الموفق.    


 


  شمس المؤيد


 


 


                                                                            


 




ليست هناك تعليقات:

أرشيف المدونة الإلكترونية