المبدع هو إنسان أوتي القدرة والملكة فهو يستفيد من قدراته الخاصة وملكاته ومواهبه ومن كل ما يحيط به من عوامل بيئية وظروف اجتماعية متعددة بالإضافة إلى ما يستطيع الإلمام به من تراث وثقافة وعلم ليمزج هذا كله ثم يعيد تكوينه على شكل عملية إبداعية خاصة به …… قد يعمد إلى المحاكاة وتقليد أعمال الآخرين ولكنه يعمل على إعادة صياغة بعض الأفكار أو المواضيع بطريقته وحيث يضع عليها لمساته الإبداعية الخاصة به والتي لايمكن لشخص آخر أن يتمكن من وضعها بنفس الطريقة وبنفس الشعور والإحساس الفني .
… وارتباط الإبداع ببعض مظاهر المرض النفسي … له شواهد كثيرة ، فكثير من المبدعين يعانون من مشاكل نفسية أو من أعراض الإكتئاب الشديد أو عمد التواءم مع البيئة وقد ينتهون نهايات مؤسفة ، وبعضهم يلجأ للانتحار أو قد يصاب بالجنون وذلك من الأمور العروفة في تاريخ الأدب والفن .
ولأن المبدع إنسان قبل أن يكون مبدعا فهو يسعى إلى الشعور بتفاعل الآخرين معه ومع إبداعه. ذلك إن جوهر الإبداع وغايته هو البحث عن اتصال حقيقي مع المبدع والعالم المحيط به والتفاعل معه وهو يرغب في نقل تواصله هذا مع العالم إلى الآخرين ممن هم حوله والذين لايشعرون بمثل ما يشعر، ولايستطيعون التعبير عن ذواتهم كما يستطيع هو .وهو أيضا يريد أن يرى أثر إبداعه على الآخرين وإحساسهم به وتقديرهم لما استطاع تتقديمه إليهم من عمل فني جميل. وقد يبالغ المبدع في تقدير نفسه وتقدير عمله الفني ويصيبه الإحباط والأسى حين لايشعر بالتقدير الكافي لما يقدمه من انجازات إبداعية
والمبدع كمبدع تتكون لديه مواهبه وقدراته الإبداعية نتيجة لظروف متعددة إذ أن المبدع ما هو إلا نتيجة أو حصيلة لعوامل وراثية واجتماعية ونفسية وتاريخية تساهم كلها في بزوغ هذا المبدع ووجوده وهو بالتالي لا يستطيع أن يعزل نفسه عن طبقته الاجتماعية رغم شعوره الذاتي بالتفرد والتميز … وقد يتعرض هذا الفرد المبدع إلى عوامل عديدة تحد من إبداعه وقد تؤدي إلى انسحابه وانطواءه على ذاته … واهماله لقدراته الإبداعية وهذه أكبر خسارة يصاب بها المجتمع الذي ينشأ به الفرد ذلك أن الفرد المبدع هو أحد عوامل رقي مجتمعه وكلما ازداد عدد المبدعين في مجتمع ما كلما ارتفع مستواه وازدادت قيمته في نظر المجتمعات الأخرى … وقد لا يحارب المجتمع الفرد المبدع صراحة ولكن يضع قيوداً كثيرة على مجال إبداعه مما يؤدي إلى تثبيط همته .. والحد من حماسه ونشاطه الإبداعي … وقد تؤثر بعض الظروف الخاصة بالمبدع أو الأزمات الاجتماعية المتعددة على حالة المبدع النفسية فيصاب بالاكتئاب أو بعض الأمراض النفسية خاصة لدى المبدعين الحقيقيين الذي قد يصل بهم عبقريتهم في مجال الإبداعات المختلفة إلى حافة الجنون أو إلى دفعهم إلى أنواع مختلفة من الأمراض النفسية أو العصبية …. وبعضهم قد يتخلص من حياته أو يحاول تدميرها بطريقة أو بأخرى والأمثلة على جنون بعض المبدعين أو غرابة تصرفاتهم أو على نهايتهم التعيسة ليست بعيدة أو غريبة عنا .
وهذا يجعلنا نفكر في موضوع العلاقة بين الإبداع والاضطرابات النفسية والجنون فمهما قيل من أن هذه الاضطرابات النفسية هي التي تؤدي إلى الإبداع أو أن الإبداع عملية قد تؤدي بالمبدع إلى الجنون فإن هذه الافتراضات لا يمكن أن تكون حقيقية ففي مجموعة من الدراسات الحديثة الشاملة بهذه القضية استبعد كيسيل (1989) تماماً أي علاقة ارتباطيه بين الإبداع وبين المرض النفسي ، بينما يفترض سلايدر
(1979) أن وجود الاضطراب النفسي في الشخصية المبدعة لا يمكن أبداً أن يؤدي إلى الإبداع أو يكون سبباً له، ولكن قد يساعد على اختيار المادة الإبداعية أو يعطي نكهة لها وذلك لأن المعاناة النفسية تسهم في توضيح الصورة بإفراغ الشخصيات الانفعالية المتوهجة .
ولكن الإبداع ذاته لا يمكن أن يصدر عن حالات الضعف والوهن والاختلاطات الذهنية إن الإبداع إنما هو نتاج لحالة من القوة والصحة والتكاسل النفسي .
لعل ما يدفع معظم المبدعين إلى الشعور بنوبات الاكتئاب والاضطرابات النفسية المختلفة التي قد تتطور إلى حالات حادة مثل فان جوخ وهيمنجواى وغيرهم من المبدعين الذين انتهت حياتهم بالانتحار هرباً من حالات الاكتئاب الشديد . إنما هو ما يشعر به الفرد من مشاعر العزلة والوحدة في مجتمع قد يرفض وجود مثل المبدع أو لا يحتفي بإبداعاته أو تناقض مبادئه وأفكاره مع أفكار المبدع مما يجعله يشعر بالاغتراب والقلق وأحياناً الاضطهاد وعدم الاعتراف بمواهبه .
أن عدم التوافق بين المبدع ومجتمعه هي إحدى القضايا المهمة التي تلعب دوراً كبير في التأثير على المبدع والتي قد تعطل نشاطه أو تحد منه أو تصيبه بحالة من الاكتئاب الشديد . وقد يكون للمبدع من الشجاعة الفكرية ما يمكن من التغلب على كل حالات القهر والاضطهاد التي تمارسها بعض المجتمعات ــ كالأنظمة الشيوعية السابقة كمثال ــ أو عدم الفهم والتقبل من المجتمع بسبب غرابة المبدع وتفرده بصفات وأفكار مختلفة عن ما تعود عليه الآخرين حينها قد يستطيع هذا المبدع أن يواصل إنتاجه بهدوء وسلام . ولعل حساسية المبدع الشديدة وإحساسه بتفوقه على الآخرين وتفرده … وكذلك مزاجه المتقلب هو الذي يوحي إليه بعدم الشعور بالراحة أو الاغتراب وهو بين أهله وجماعته .. وهذه قضية أخرى يعاني المبدع من جرائها .
خير مايقوم به المبدع هو أن يتفرغ لإبداعاته ويكرس جهده من أجل توطيد رسالته الإبداعية … وأن يقيم علاقة جيدة بينه وبين المتلقين في مجتمعه ، وأن يبذل جهده للتواءم مع ذاته ومع الآخرين حتى لايصبح فريسة للهموم أو يصل إلى مرحلة اليأس أو يتعرض لأي اضطرابات ذهنيّة تؤثر على مسيرته الإبداعية.
السبت، 30 يونيو 2012
العلاقة بين الذكاء والإبداع
نتساءل هنا هل هناك ارتباط كبير بين نسبة الذكاء وبين الإبداع ؟...وفي الواقع فإن هناك اتفاق شبه عام بين الباحثين على أنه من أجل تحقيق نتائج إبداعية عالية ، لابد من حدٍ أدنى من الذكاء ويختلف هذا من مجال إلى مجال آخر ولكن تجاوز الذكاء حدا معينا ليس شرطا لوجود الإبداع أو توفره.ذلك أن الإستعمال الفعَّال للذكاء بما يتبع ذلك من قدرة على الإستفادة من القدرات الذاتية والظروف والدوافع ..وكذلك السمات الشخصية للمبدع التي تمكنه من المثابرة والبحث عن الحلول وكذلك وجود الدوافع الداخلية التي لها دور حاسم في عملية الإبداع ، ومايحيط بالمبدع من عوامل خارجية محرضة على الإبداع كما أن المناخ الإبداعي الذي يتمثل في الوسط المحيط ومايقدمه من تشجيع ومن مساعدات على تطوير روح البحث والتحريض على التفكير الإنتاجي المنطلق بما في ذلك من أنشطة فاعلة تهدف إلى تنمية التفكير الإستقلالي و الحث على النقد والمناقشة والبحث عن الحلول المفيدة لأي مسألة مطروحة على بساط البحث. والشخصية المبدعة في أي مجال من مجالات النشاط لايمكن أن توجد خارج السياق الإجتماعي حيث تعيش وتبدع.
إن المبدع نفسه هو الذي يقوم بعملية التنسيق الداخلي لما يستفبله من مؤثرات جمالية وما يحس به من مشاعر وجدانية وهو الذي يؤلف ما بين التجارب المختلفة من حيث تأثيرها عليه ودورها في استخراج ما بداخله من طاقات إبداعية مختلفة .
ويلعب الحدس دوراً كبير اً في العملية الإبداعية الأساسية فهو قد يأتي فجأة خلال عمل عقلي مرهق أو ممل فيشرق العمل هذا فجأة بنوع من الجمال الفني الخاص بذات المبدع لهذا العمل الفني التي تضع على هذا العمل لمسات إبداعية مميزة .
والحدس هو أحد أهم أسباب الإبداع عند بندتو كرونشية ، وهو يقول في ذلك ( إن الفن حدس) وبذلك يقرر أن الإبداع ليس فعل إرادة وإنما هو فعل ناشئ عن الإلهام وعن قوة الحدس لدى الإنسان التي تؤدي إلى عملية الإبداع والتي تشمل الفن بجميع نواحيه كما تشمل الأدب بفروعه المتعددة … وهو يصف الحدس الحقيقي بأنه هو الذي يؤلف جسماً حياً
concept ويميز كروتشيه الحدس عن الإدراك فيقول إن الحدس أوسع من الإدراك لأن كل إدراك محتاج إلى حدس ولكن ليس كل حدس إدراكاً كما أن الحدس ليس هو مجرد الإحساس بل هو أوسع منه ، فالإحساس محدود بمكان أو زمان معين أو شعور خاص تجاه شيء ما .
ولكن الحدس يتحول إلى قدرة على استيضاح الصور الخيالية إلى موضوع أو صورة وهو هنا ما يمكن تسميته بعملية الإبداع التي يقود إليها الحدس الحقيقي …. فالفنان المبدع يستطيع أن يرى في الأشياء والأحداث ما لا يستطيع غيره رؤيته وعن ذلك يقول ميخائيل انجلو " لا يصور المصور بيده بل بعقله "وعدم القدرة على التعبير ترجع إلى عدم قدرة الإنسان على الحدس الصحيح( intuition) .
إن الحدس ليس إحساساً تطبعه الأشياء على العقل كما لو كان سطحياً خالياً وإنما الحدس هو نشاط وفاعليه تجري في العقل الإنساني وهو نتج للصور أي أنه ليس مجرد تسجيل بل أنه يتكون في وعي الإنسان كثمرة للانفعالات والصور الخالية وهكذا أو بفضل هذه الانفعالات النفسية تتحول الصور إلى تعبير فني مناسب .
ولنيتشة رأي في الإبداع وهو أن الإثارة هي الدافع وراء الفن وهي الدافع وراء الخلق والتعبير وهي شرط من شروط الإبداع ...هي التي تدفع إلى والتأثر . وهذا الانفعال الناشىء عن الإثارة الحسية والنفسيية يؤدي إلى خلق العمل الفني ويحتاج الأمر بعد ذلك إلى السيطرة على الانفعال ببعض التنظيم والتوجيه ليتم إنجاز العمل الفني وهذا لا يأتي إلا بسيطرة الإنسان على نفسه وعلى انفعالاته الداخلية وتسييرها وتوجيهها إلى الوجهة المناسبة بحيث تتحول إلى عمل فني معبر .
عبارة( ووردز وورث) عن عملية الخلق الفني التي يقول عنها " إنها الانفعال
حين يتذكر بهدوء " رفضها الشاعر اليوت بشدة ؛فهو يرى أن الشعر وهو عملية خلق فني لا يأتي كنتيجة لانفجار انفعالي وإنما هو في الواقع فرار من الانفعال نفسه فالشاعر يطلق العنان لانفعالاته لتأتي على شكل قصيدة شعرية ليرتاح بعدها من تلك الانفعالات التي أخرجها على شكل عمل فني شعري .
ولكن الانفعال وحده لا يكفي لاستخراج الطاقة الإبداعية لدى المبدع
فللخيال بجانب الانفعالات الداخلية دوره الكبير في العملية الإبداعية. كوليردج يرى أن الخيال هو القوة الحيوية أو الأولية التي تجعل الإدراك الإنساني ممكناً وهو تكرار لعملية الخلق الخالدة . قصيدته المعروفة قوبلاي خان جاءت نتيجة للخيال القوي مع الإستسلام لحالة شبه لاشعورية كان هو عليها وقت نظمها.
وقد تتشابه التجارب الإنسانية لدى المبدعين وتتساوى الظروف المعاشة والأحداث المحيطة ولكن ناتج هذه التجارب والأحداث والظروف لاتتساوى أو تتفق ذلك أن لكل مبدع طريقته في استقبال الأحداث واستخلاص التجارب والتقاط المؤثرات المختلفة ، وبالتالي طريقته في إنتاج هذه التجارب وتصويرها والتعبير عنها.
إن المبدع هو إنسان أوتي القدرة والملكة فهو يستفيد من قدراته الخاصة وملكاته ومواهبه ومن كل ما يحيط به من عوامل بيئية وظروف اجتماعية متعددة بالإضافة إلى ما يستطيع الإلمام به من تراث وثقافة وعلم ليمزج هذا كله ثم يعيد تكوينه على شكل عملية إبداعية خاصة به …… قد يعمد إلى المحاكاة وتقليد أعمال الآخرين ولكنه يعمل على إعادة صياغة بعض الأفكار أو المواضيع بطريقته وحيث يضع عليها لمساته الإبداعية الخاصة به والتي لايمكن لشخص آخر أن يتمكن من وضعها بنفس الطريقة وبنفس الشعور والإحساس الفني .
مراحل العملية الإبداعية
بعض علماء النفس عمل على اعتماد الطرق التجريبية التي تحاول اختبار بعض الفروض عن تفاصيل العملية الإبداعية وذلك بدراسة السرعات النسبية التي تتم بها عملية الإستبصارات الإبداعية ويعيب هذه الطريقة أن السلوك الإبداعي الذي ندرسه قد يكون مبسطاً ومصطنعاً وليس مماثلاً للأداء الفعلي .
ثم تأتي أخيراً محاولة تمثيل العمليات الإبداعية من خلال إيجاد برنامج آلي يكون مماثلاً لسلوك الأفراد المبدعين حينما يكونون في حالة الاندماج في نشاط إبداعي فعلي
فكما لوحظ على بعض المبدعين فإن علامات الإبداع تجيء على شكل الشعور بالذهول وعدم الإستقرار الذي يصيب المبدع فيجعله مدفوعا بقوة خفية للتوصل إلى شيءما يشعر به ولايستطيع تفسيره ويظل يدور حول هذا الموضوع حائرا قلقا يشعر وكأن بداخله شيءما يتحرك ويود البزوغ بطريقة معينة وقد قامت كاترين باتريك (C.Patrick) وهي عالمة نفسية درست نظرية التحقيق التجريبي التي أشار إليها والاس (Wallas) والتي قسمت الإبداع إلى أربع مراحل هي الإعداد والإحتضان والإشراق والتحقيق وقد ناقشها زكريا ابراهيم في كتابه (مشكلة الإبداع الفني في مشكلة الفن)
وفي المرحلة الأولى من الإبداع يتم جمع الخبرات وتهيئة المهارات اللازمة للعمل الفني ، وتكون هذه المرحلة من أصعب المراحل لعدم وضوح الرؤية بالنسبة للعمل الذي سيتكون والذي سيقوم به المبدع .
المرحلة الثانية هي مرحلة الإحتضان وهي مرحلة تحتاج إلى جهد كبير لحل المشكلة التي يواجهها المبدع ، وفيها قد يصاب المبدع بحالة من اليأس والإحباط بسبب عدم القدرة على حل طلاسم المشكلة الأساسية ، وقد ينصرف خلالها المبدع عن الإهتمام والتركيز على موضوع إبداعه ، ولكنه لايلبث أن يعود إليه بعد فترة من الركود والسكون الظاهري، وحين يعود إلى العمل على موضوع إبداعه يكون ذلك بصورة أكثر إدراكا ووعيا بما يقوم به وهذا يعود إلى أنه حين انصرف عن التفكير في المشكلة التي حيرته فإنه إعطى ذهنه قدرا كافيا من الإسترخاء والراحة مما أتاح للدماغ استعادة النشاط اللازم للوصول إلى الهدف المطلوب.
تبدأ المرحلة ثالثة وهي مرحلة الإشراق أو البزوغ حيث تبزغ فكرة جديدة أو صورة مبتكرة عللى شكل ومضة تنير ظلام المرحلة التي يكون ذهن المبدع عليها فيتمكن من رؤية ماكان خافيا عليه أو شبه ملتبس، وهو في هذه الحالة يتوغل داخل الموضوع الذي يود النفاذ إليه مصحوبا بالحدس الداخلي الذي يكون متوقدا في نفس المبدع الموهوب والذي يساعده على اكتشاف مالايراه الآخرون ، وهو بذلك يزيل كل العوائق أمامه ويجعله مهيئا للإتصال بموضوعه والإلتحام معه في حالة من الإنفعال العميق والتمازج القوي .
تأتي المرحلة الرابعة من الإبداع وهي مرحلة التحقيق ، وهذه المرحلة لايصل إليها المبدع إلا بعد أن يكون قد انتهى من جميع المراحل الساقة ووصل بالعمل إلى منتهاه؛ أي أكمل جميع التفاصيل المتعلقة به بحيث أصبح العمل منفصلا عنه مستقلا بذاته، وهنا يأتي دور إعادة الترتيب أو إضافة بعض التحسينات أو اللمسات الضرورية لجعله يبدو أكثر بهاءً وإشراقاً ، وقد يعرض المبدع عمله على من يثق به لمعرفة رأيه به قبل نشره وعرضه ومن ثم قد يمارس عليه بعض التعيلات الأخرى
هذه النظرة للإبداع الفني والأدبي تجعل من الأعمال الأدبية مجرد وثائق نفسية لا اعتبار فيها للقيم الفنية الخاصة التي تميز أي عمل فني
ويعارض بعض العلماء فكرة تقسيم الإبداع إلى مراحل ويرون أن الإبداع يأتي نتيجة لإلهام مفاجئ بحيث يصبح المبدع مجرد أداة يسيرها الإلهام ويقودها إلى غاية معينة ...ويكون ذلك بطريقة تلقائية عفوية لامجال فيها لتخطيط أو تدبير ...يونج مثلا يرى أن العمل الإبداعي ينبع من أعماق اللاشعور وحين تتغلب القوة الإبداعية فإن الإرادة الفعالة تستسلم لحكم الاشعور فتتراجع وتكتفي بالمشاهدة لما يتم من أحداث دون أن يكون لها رأي أو سلطة .
وفي مقابل ذلك نجد أن من المبدعين أنفسهم من يركز على أهمية الإرادة والفعل المقصود ومنهم ( فان جوخ) الرسام الهولندي المشهور الذي قال مرة لأحد أصقاءه إن ماينتجه من عمل لايأتي وليد الصدفة وانما هو ثمرة لقصد حقيقي ولنشاط إرادي.
علماء الجمال الذين يميلون إلى الأخذ بالمنهج العقلي يرون أن الإلهام لايلعب دورا كبيرا في عملية الإبداع ، وأن العبقرية الفنية ليست قوة خارجة عن نطاق العقل ، بل هي نتيجة لفعل صادر عن العقل المستنير الذي يمسك بزمام الأمور ويسخر قدراته ويستفيد منها على أكمل وجه.ومن هؤلاء أوجين ديلاكروا(Delacroix) وهو رائد المدرسة الرومانتيكية في الرسم الذي حاول أن يثبت بجميع الأدلة أن الإبداع هو صنعة وإرادة وعمل متواصل وليس حدسا أو إشراقا يأتي من خارج النفس، وهو يرى أن تهيئة العمل الإبداعي تستلزم في كثير من الأحيان القيام بتضحيات جسيمة ، كما أن الأفكار تحتاج إلى مجهودات كبيرة لبنائها والمحافظة على استمراريتها وزخمها.
إن الإلهام والإرادة هما صنوان متلازمان في عملية الخلق الفني فالإبداع كما يقول آريتي(S.Arieti) هو جامع للإصالة والحرية والإلهام من جانب والأصول المعرفية من جانب آخر.إذ لاإبداع بدون أصالة أو معرفة فهما متلازمتان في عملية الإبداع الفني.
شمس المؤيد
شمس المؤيد
الإبداع كظاهرة إبداعية
التعريفات المتعددة للإبداع قادت الباحثين والدارسين إلى محاولات عديدة للكشف عن وجود القدرات المختلفة لدى المبدعين بطرق مختلفة ودراسة السمات الشخصية للمبدعين وكذلك بالتأكيد على أهمية النواتج الإبداعية وإجراء عمليات القياس للخصائص والقدرات الإبداعية المتنوعة .
وقد قام أحد المتخصصين في دراسة الظاهرة الإبداعية وه(كالفن تايلور) بجمع الآراء المختلفة عن الإبداع ،واقترح التفكير في الإبداع من خلال مستويات مختلفة هي كالتالي :.
الإبداع العبقري : والمقصود بذلك التعبير المستقل حيث تكون المهارات والأصالة وكفاءة المنتج غير هامة ويشبه ذلك رسوم الأطفال التلقائية .
الإبداع الإنتاجي : وهذا يتعلق بالنواتج الفنية أو العملية من أجل إنتاج منتجات مفيدة ومكتملة وفي هذا النوع تكون عملية الإبداع مقيدة ومنظمة وتعتمد على الأساليب المتطورة من أجل تحقيق الغرض من الإنتاج وقد يكون المنتج آلة جديدة أو مجرد تحسين منتج موجود مثلاً.
الإبداع الاختراعي : وهذا يتعلق بالابتكار والاكتشاف وتظهر البراعة هنا في التعامل مع المواد والمناهج والأساليب ( مثل اختراع أجهزة جديدة كالتليفون أو التلفزيون أو برامج الكمبيوتر أو قطع جديدة له مثلاً).
الإبداع الابتكاري : وهو يتعلق بعمليات التحسين المستمرة من خلال القيام بتعديلات تشتمل على مهارات تجريدية أو تصويرية ( ابتكار نظريات جديدة في العلم والفن ) من خلال الاعتماد على نظريات وأفكار سابقة .
الإبداع الانبثاقي : وهو نادر الحدوث ويتعلق بالإبداع ذو الصبغة الإبداعية المحضة التي تنشأ من خلال مجموعة من التفاعلات النفسية والمزاجية والاجتماعية التي تؤدي إلى إنشاء عمل إبداعي عن طريق الإشراق الداخلي أو ومضات الإلهام التي تحدث لدى المبدع فتؤدي إلى تحقيق عمل فني متميز وهناك فكرة سائدة بأن الأفكار تقفز فجأة وبدون مجهود رياضي إلى أذهان المبدعين الحقيقيين ولكن ذلك نادراً ما يحدث وغالباً ما تكون عقول المبدعين مهيأة لعملية الإبداع . هذا النوع المفاجئ من الإبداع يطلق عليه حيناً الوحي وحيناً الإلهام وهذا هو النوع الذي يبدو أن الدراسات المختلفة تقوم بوضع التعريفات والتحديدات له .
مفهوم الإبداع وتعريفه
لقد ظهر مفهوم الإبداع في أوروبا أثناء عصر النهضة للإشارة إلى كل ماهو أصيل ومبتكر ومثمر في جميع المجالات . وقد أدىالإختلاف في تعريف الإبداع إلى عدم القدرة على وضع تحديد معين له.
يشمل الإبداع الإبتكار والتجديد كما يشمل الأصالة وأن يكون للعمل المنتج فائة أو قيمة سواء أكانت مادية أم ذهنية بمعنى أنالعمل الإبداعي يضيف فكرة أو يقدم شيئا خاصا له جمالياته وتميزه الخاص به.
ونحاول الآن عرض بعض التعريفات التي وضعها بعض الدارسين للإبداع وأسبابه وسماته وسيكون ذلك انطلاقا من فكرة الإبداع العامة التي تشير إلى الإبداع على أنه مجموعة من العمليات العقلية والمزاجية والدافعية والإجتماعية التي تؤدي إلى الحلول والأفكار والتصورات والأشكال الفنية والنظريات أو المنتجات التي تكون فريدة وجديدة.
ومن هنا تتنوع التعريفات للإبداع حسب نقاط التركيز التي يهتم العلماء والدارسون بها في عملية الإبداع فمنهم من يركز على العملية العقلية نفسها التي تؤدي إلى الإبداع ومنهم من يركز على نوع الإبداع ومظاهره، ويسعى البعض إلى إسناد الإبداع إلى سمات شخصية يتميز بها المبدع أو إلى إعتبار الإبداع نشاط نفسي سيكلوجي خاص.
و لفرايت ) D . S. Wright (عرف الإبداع بأنه " حالة خاصة من حل المشكلات مع التأكيد على أصالة الحل وقيمته " .
بينما عرفه ماكيلر P . Mackerel) ( باعتباره (تعبيراً عن تفاعل معقد بين التفكير الواقعي والتفكير الخيالي) ورأى شتاين M . Stein) ( أنه عملية ينتج عنها عمل جديد تقبله جماعة ما في وقت معين على أنه مشبع أو مفيد أو مقنع ) .
فرانك باردون F . Baron) ( يعرفه بأنه طاقة يتم توظيفها للعمل بطريقة بنائية . وهو تعريف ناقص نوعاً ما حيث أن العديد من النشاطات الإنسانية هي طاقات يتم توظيفها للعمل بطريقة بنائية ومع ذلك فهي ليست نشاطات إبداعية .
ويشدد واتيفليد ( R . Whitfield) على أهمية أن تكون الفكرة إبداعية وجديدة وخالية من التعقيد وينظر ستيورات جولان (S . Gallon) للإبداع على أنه ( سمة موزعة توزيعاً إعتدالياً، ويرجعه إلى استعداد شخصي وعملية داخلية وأسلوب للحياة .
هذا هو تفسير العلماء فماذا يقول الفلاسفة الذين شغلوا أنفسهم بمسألة الإبداع ونظروا إليها بطرق مختلفة.؟...
في كتابه ( نقد الحكم )يفسر كانت(Kant) الإبداع بأنه عملية طبيعية تخلق قوانينها الخاصة بها ، وأن ألإبداع فعل يخضع لقوانين من صنعه لايمكن التنبوء بها وم ثم لايمكن تعليم الإبداع تعليما منطقيا.
ويصف بيرجسون حالة الإبداع بأنها حالة يكون فيها المبدع في حال من الوحدة الروحية التي تضم الوجود كله بما فيه من بشر وكائنات حية وغير حية.
ولعل من أهم التعاريف المبسطة تلخيص رولاند وينكوت ( إن الإبداع هو أن تأتي للوجود بفكرة جديدة أو موضوع جديد)
ومن واقع التعريفات العديدة للإبداع نصل إلى عملية الإبداع ذاتها وهي عملية محيرة إلى حد كبير وتتم داخل كيان المبدع متفاعلة مع عوامل عديدة محيطة به تلهب مخيلته وأحاسيسه ، وتقوده في عملية داخلية منظمة إلى أن يصل إلى مرحلة الكشف عن المخبوء على شكل عمل إبداعي مميز
وفي الواقع فإن عملية الإبداع ظلت مجهولة المنشأ حتى أواخر القرن التاسع عشر حين بدأ فرانسيس جالتون F . Galton (01822-1911) وهو عالم إنجليزي كان من المهتمين بعلم تحسين النسل. بإجراء عدد من الدراسات المهمة حول العباقرة وأسباب العبقرية المختلفة .. وكان يفكر في إمكانية الحصول على عباقرة ونوابغ ومبدعين عن طريق عملية الإستيلاد وهي عملية تشبه عملية تهجين الأجناس الجيدة في الحيوانات . ومع تطور وسائل علم النفس وأبحاثه لم تعد تلك الدراسات والأبحاث التي قام بها جالتون مهمة .
ومع بداية القرن العشرين ظهر علم النفس التحليلي على يد سيجموند فرويد الذي اهتم بدراسة مسألة الإبداع من النواحي السيكلوجية ومع الوقت ازداد الاهتمام بمسألة الإبداع من قبل علماء النفس فظهرت طرق عديدة لدراسة ظاهرةالإبداع منها الطرق الكلاسيكية التي تعتمد على دراسة كيفية حدوث عملية الإبداع من خلال دراسة بعض الإنتاجات الإبداعية والكيفية التي تمت بها. أي العمليات الناجحة التي أدت إلى ظهور العمل الإبداعي .
وبكشف فرويد عن منطقة اللاشعور التي كانت مجهولة من قبل فإنه قد أسهم إسهاماً واضحاً في توضيح أسباب الإبداع الفني لدى بعض الكتاب والأدباء والفنانين ، حيث جعله
وحسب نظرية فرويد عن الإبداع فإنه الهروب إلى عالم الخيال حيث يفشل المبدع في تحقيق أحلامه على أرض الواقع.
كما أرجع فرويد الإبداع إلى تهذيب للغرائز البدائية والتسامي بها في شكل سلوكيات جديدة ...أي أن النزعات الإبداعية والفنية إنما هي تجليات أو مظاهر خاصة لعمليات الإعلاء أو التسامي
وهكذا فإننا نجد أ ن فرويد يرى أن المبدع يلجأ إلى التسامي بنزعاته وغرائزه ويحققها عن طريق الخيال ؛ فالفن لديه منطقة متوسطة بين عالم الواقع الذي يحبط الغبات وبين عالم الخيال الذي يحققها .
وقد اهتم فرويد أيضا بعلاقة الإبداع بالمرض العصابي لدى كثير من المبدعين ، ومن الجدير بالذكر أن عقدة أوديب التي هي إحدى نظريات فرويد في علم النفس قد استلهم أصلها النظري من شخصية أوديب الأسطورية في مسرحيتي الكاتب الإغريقي الشهير"سوفوكليس" وفي هاتين المسرحيتيين يقتل أوديب أباه دون أن يعرف أنه أبوه ثم يتزوج أمه ، وحين يكتشف ذلك يعاقب نفسه ويعاني من آلام هائلة وقد عمل فرويد على اعتبار هذه العقدة هي الأساس في كل الإضطرابات العصابية النفسية
و في تفسيره للنشاط الفني وغير الفني لدى الأدباء أمثال شكسبير ودوستويفسكي...كما اتخذ منها وسيلة لدراسة أعمال هؤلاء الأباء وأيضا اكتشاف أسباب الأمراض والعلل النفسية لدى كثير من المبدعين.
وهكذا فإننا نرى أن أتباع فرويد يعتقدون بقيام علاقة بين الفن والمرض العصبي وبين الإبداع .
بينما ينسب أتباع" يونج" عملية الخلق الأدبي إلى أساطير قديمة مختزنة في الذهنية البشرية ومتوارثة عبر الأجيال العديدة يتوارثها الجميع ولكن الفرد المبدع هو الذي يحولها إلى أعمال أدبية فنية خالدة .
وقد عمل كارل يونج (1875- 1961) وهو من تلامذة فرويد على السير في اتجاه سلفه ولكنه استطاع الوصول إلى نظريات واستنتاجات أخرى أكثر قيمة حول بعض المسائل ومنها مسألة الإبداع حيث استطاع أن يخرج بفوائد كثيرة أكبر مما قدمها سلفه في هذا المجال .
كان لإهتمام يونج بالفن والأدب وقراءاته الفلسفية الكثيرة أثره في اهتمامه بالتأمل بالإنسان بصفة خاصة وما ينتج عنه من أفكار وإبداعات ، وقد كانت فكرة يونج عن اللاشعور الجمعي الذي هو جماع حياة الجنس البشري والذي يشتمل على الأساطير والأفكار والدوافع والصور الخيالية التي يتجدد ظهورها عبر الأجيال وتترك آثارها على شكل ومحتوى الجنس البشري
فكرة " اللاشعور الجماعي " تنبع من فكرة وجود مخزون من الميول البشرية والتطلعات والأشكال والأحلام .
فكرة يونج هذه عن اللاشعور الجمعي ساقته إلى " النماذج العليا " التي قال عنها( أنها التجارب البدائية الأولى التي لايمكن سبر أغوارها وهي تتطلب دائما صورا وتخيلات أسطورية كي تعطيها شكلها الخاص المناسب ، وهذه الخبرات تحتاج إلى صور غريبة كي تعبر عن نفسها ، هذه الرؤى والتعبيرات عن العقل الجمعي موجودة داخل الجسم يرثها كل فرد ولها طابع بدائي ، وعندما يتمكن الفنان من الرؤية والتعبير عن هذه المشاهد والرؤى فإنه يقوم بالتعالي والإرتقاء من المستوى الكلي الجمعي) . ويقصد يونج بذلك أن الفنان يصبح بوسلته الإبداعية وكأنه يتحدث كجنس بشري _ وليس كفرد واحد _إلى الجنس البشري كله ، يونج في ذلك يعتقد أ، الفنان يكون متلبسا ي بدافع يعمل بداخله ويجعله يبدع عمله وهو بهذا العمل يرتقي بنفسه ويقترب من العقل الجمعي . وذلك باستخدامه للأسطورة أو بالوصول إلى النماذج العليا التي ذكر أنها تنتقل من الأسلاف إلى من يليهم عبر الأجيال العديدة عن طريق الوراثة، والتي تكون نماذج أساسية للتجارب الإنسانية التي تتكرر في عمليات الإبداع الفني سواء أكان شعراً أم نثراً أم فناً من الفنون
هذا المخزون الجمعي البشري الذي يحتوي عل كل ماسبق ذكره من صور وأساطير وغيرها هي التي تكون( اللاشعور الجمعي) وهذا ما ينتقل إلى الأفراد وخاصة العصابيين منهم والفنانين عن طريق التخيل الذهني للأساطير التي كانت تخيم على عقل الإنسان البدائي وأحياناً يتم ذلك عن وعي من خلال عملية الأحلام . وهذا المخزون للأساطير والرموز البدائية يتحول إلى صياغة أدبية أو فنية مما نعتبره " خلقاً فنياً"
الإبداع والروح المبدعة
الإبداع المطلق هو لله سبحانه وتعالى ..خالق كل شيء ومبدع الكون العظيم بمن فيه ، وما فيه
أما لفظ الإبداع الذي يطلق على القدرات البشرية التي توجد لدى بعض الناس فإن مفهوم الإبداع مفهوم واسع وعميق ويشمل الإخترعات والإكتشافات العلمية والإبتكارية كما يشمل الإبداعات الفنية والأدبية وبصفة عامة هو هو ذلك النشاط العقلي المركب الذي يتجه الشخص فيه أو عن طريقه إلى تركيب صورجديدة من التفكير معتمدا في ذلك على الخبرات والمعلومات السابقة التي تكونت لديه ويهدف من نشاطه هذا إضافة شيء جديد أو توسيع الخبرة الإنسانية بمدها بما يتهيأ له إيجاده من فن إو أدب أوعن طريق اختراع شيء معين له قيمته المادية أو العملية التي تساهم في دفع عجلة التطور في مجال ما .كذلك التوصل إلى نظرية ما أو فكرة تكون لها قيمة اجتماعية أو فلسفية أو علمية .
وكما ذكرنا من قبل عن الإبداع بأنه تلك القدرة على الابتكار أو اختراع ما لم يكن موجود من قبل أو اكتشاف ما لم يعرف من قبل ويشمل ذلك كل ما ينتج عن عملية الإبداع من المخترعات والأفكار والنظريات والاكتشافات العلمية والإبداعات الفنية والأدبية كما يشتمل على التجديدات الأصلية على مستوى السلوك والعلاقات الإنسانية والاجتماعية .ولنتأمل كلمة إبداع
( creativity ) وهي الكلمةالتي أصبحت المصطلح الذي يدل على خاصية الإبداع ،ونبدأ بمحاولة معرفة نشأتها ومصدرها لنجد أنها ظهرت في أوروبا في عصر النهضة لتعبر عن كل ماهو أصيل ومبتكر وقد يكون مثمرا ومفيدا في بعض المجالات.
وكما ذكرنا فللإبداع صور كثير ومجالات عديدة حتى لقد أصبح تحديد مدى حضارة الأمم وقياس تقدمها يقاس بعدد مبدعيها وكثرتهم وتعدد مجالات إبداعهم . فماعرف اليونان والرومان إلا بحضارتهم التي نشأت بسبب كثرة إبداعات المبدعين من فنانين وشعراء ملاحم وفلاسفة ، وكذلك عرف العرب بكثرة شعرائهم ومؤرخيهم وبمن نبغ فيهم من الباحثين والمكتشفين للعلوم الطبيعية وعلوم الفلك والهندسة والحساب وغير ذلك من علوم ومعارف. وفي العصر الحديث تميزت بعض الشعوب عن غيرها بكثرة عدد المبدعين في مجالات معينة ففي ميدان كالرسم والتصوير أوالموسيقى نجد أن لبعض الشعوب فضل التميز والغزارة في عدد الموهوبين ، كما تعرف شعوب أخرى بتعدد فلاسفتها ،أو بكتاب متميزين في مجال الرواية كما هو الحال في روسيا القيصرية وفي بعض دول أوروبا الأخرى
ورغم أن الإبداع هو ظاهرة مهمة ومميزة إلا أن تعريف الإبداع نفسه مايزال سرا مجهولا ، فمالذي يدفع هؤلاء ليكونوا مبدعين ولايدفع آخرين لهم نفس الظروف والأحوال ليكونوا كذلك.
إن القدرة على الإبداع قدرة كامنة يضعها الخالق سبحانه بداخل النفوس البشرية ولعلها قد تكون موجودة ومغروسة كنبتة صغيرة في أعماق كثير من نفوس البشر ولكنها لاتنمو ولاتتفتح إلا لدى البعض منهم لأسباب لايعلمها إلا الله أو قد تكون تلك الأسباب تعود إلى شعور المرء المبدع بما لديه ووعيه بما يختلج داخله من دوافع وانفعالات واهتمامه بإخراج تلك الإنفعالات على شكل عمل معبر ومتميز يثير اهتمام الآخرين ويصل إلى نفوسهم دونما عناء.
ولكن ماذا يقول الدارسون والمهتمون بموضوع الإبداع عن هذا الأمر؟
الأربعاء، 27 يونيو 2012
شعر التفعيلة
شعر التفعيلة أو قصيدة التفعيلة هي ( نص أدبي مجزأ إلى وحدات هي الأبيات ) كما عرفها الكاتب مصطفى حركات في مؤلفه ( الشعر الحر : أسسه وقواعده) وهو اتجاه جديد في الشعر العربي جاء كاختيار ثالث بين الشعر العمودي والشعر غير الموزون أي ما يسمى بقصيدة النثر التي لاتخضع لأي وزن شعري .أما شعر التفعيلة فإنه يخضع في الواقع لقيود الشعر ويسير الشعراء في نظم أبياته على بحور الشعر ولكن ليس بنفس الطريقة المألوفة ، ففيه يكتفي الشعراء باستعمال تفعيلة واحدة غالبا ...واهذا معناه لإكتفاء بالبحور البسيطة أو الصافية وهي البحور التي ينتج وزنها عن تكرار تفعيلة واحدة وهذه البحور هي :
الوافر- الكامل - الهزج- الرجز- الرمل- المتقارب - المتدارك.
هذه البحور تحتوي كما هو معروف لدى الدارسين على الأسباب والأوتاد ماعدا الوتد المفروق .وكما يعرف دارسي الشعر والشعراء أن السبب هو عبارة عن حرفين فالسبب الخفيف هو متحرك بعده ساكن مثل منْ ولمْ، والسبب الثقيل هو متحركان متتابعان مثل بمَولمَ. أما الوتد فهو وتد مجموع ووتد مفروق فالوتد المجموع عبارة عن متحركين وساكن مثل هنا ونعمْ والوتد المفروق متحرك ثم ساكن ثم متحرك مثل مات ، وعْـــد
إذن بحور الشعر المستعملة في هذه القصيدة هي أجزاء البحور الصافية وهي:
فعولن ، فاعلن ، مفاعلتن ، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتن
مع الإعتماد على الزحاف وهذا معناه تغيير التفعيلة بالحذف أو التسكين في الأسباب أو العلل وهي تختص بالأسباب والأوتاد، وهذا التغيير يقع في التفعيلة الأخيرة من البيت وغالبا ما يكون بإضافة ساكن إلى نهاية التفعيلة. ويلاحظ أن الكثير من شعراء قصيدة التفعيلة يستخدمون بحر المتدارك وهو البحر السادس عشر من بحور الشعر وذلك لسهولته وهو ياتي هكذا:
فاعلن فاعلن فاعلن ..............فاعلن فاعلن فاعلن
وفي هذا البحر تأخذ التفعيلة أيضا الشكل التالي :
فعلن فعلن فعلن ...............فعلن فعلن فعلن
وقد يضاف ساكن في نهاية البيت فتصبح التفعيلة فاعلان أو فعلانْ وقد تصبح بعد الترفيل فاعلاتنْ . والقصيدة التالية لسميح القاسم كمثال توضح كيفية استعمال هذه التفعيلة مع الخبب في بعض أبياتها
مادامت لي من أرضي أشبارا
مادامت لي زيتونة
ليمونة...
بئر وشجيرة صبَّار..
مادامت لي ذكرى
مكتبة صغرى..
صورة جدِّ مرحومٍ ...وجدار.
مادامت في بلدي كلمات عربية
وأغان شعبية!
وهذه هي التفعيلة المستعملة :
فعْلن فعْلن فعْلن فعلاتنْ
فعـْلن فعـَلن فعلاتن
فعْلاتن
فعْلن فعْلن فعلاتان
فعْلن فعْلن فعْلن
فاعل فعـْلن فعْ
لــن فعـْلن فعـْلن فعْلن فعلان
فعـْلن فعـْلن فعلن فعلن فاعل فعـْلن
فعلن فعـْلن فعــْلن
والملاحظ تغير عدد التفعيلات من بيت إلى بيت
وأهم قصيدة ظهرت في شعر التفعيلة العربية هي قصيدة (الكوليرا ) لنازك الملائكة وكانت كما يقال هي القصيدة الأولى في هذالنوع من الشعر ، بينما يقول البعض أن الشاعر العراقي شاكر السياب في ديوانه المعروف هو أول من ابتدع أشكالا جديدة في الشعر العربي بقصيدته (هل كان حباًّ) وهي القصيدة التي نشرت في ديوانه ( أزهار ذابلة) وقد صدر هذا الديوان عام 1947 وهي نفس العام الذي صدر فيه ديوان نازك (شظايا ورماد) وفيه عدد من قصائدها التي سمتها قصائد حرة .
وعلى كلٍّ فإن شعر التفعيلة لايعتبر إبنا عاصيا للشعر العمودي التقليدي؛ وإنما هو شعر يبحث عن التجديد والتغيير دون الخروج عن وصاية الأب الأكبر وهو الشعر العربي التقليدي بأوزانه الثابتة وقافيته الواحدة ومعانيه المعروفة
وهناك قصائد جميلة جدا كتبت على هذه الأوزان الشعرية لشعراء كبار أمثال البياتي وبلند الحيدري وأمل دنقل و للسياب والبردوني وغيرهم.
وفي الواقع فإن لكل قصيدة جمالها وقيمتها الأدبية سواء أكانت كتبت على النهج التقليدي كقصائد المتنبي والمعري وأحمد شوقي وغيرهم من شعراء العربية العظام أو كتبت بالشكل الشعري الجديد الذي يناسب إيقاع هذا العصر ومتطلباته، وتبقى للمعاني الرفيعة وحسن اختيار الوزن والبحر الشعري المناسب والألفاظ الجيدة والجميلة التي تناسب المعنى وتوضحه ....أهمية قصوى في تحديد مدى جمال القصيدة .
تعريفات هامة
تعريفات هامة للتعريف ببعض المصطلحات الشعريّة التي تساعد على فهم قصيدة النثر : السبب : هو مقطع صوتي من حرفين وهو نوعان : السبب الخفيف :هو اجتماع حرفين .متحرك فساكن مثل : لمْ ، في، لوْ السبب الثقيل : هو اجتماع حرفين متحركين مثل لِمَ ، بِكَ، لَكَ والوتد : هو مقطع صوتي مؤلف من ثلاثة أحرف وهو نوعان: الوتد المجموع : هو اجتماع حرفين متحركين بعدهما حرف ساكن مثل : على، نعمْ الوتد المفروق : هو اجتماع حرفين متحركين بينهما حرف حرف ساكن مثل : قام، ليْتَ والفاصلة : معناها مقطع صوتي مؤلف من أربعة أحرف أو خمسة وهي نوعان: فاصلة صغرى : وهي اجتماع ثلاثة أحرف متحركة بعدها حرف ساكن مثل: كتبتْ، رجعوا فاصلة كبرى : وهي اجتماع أربعة أحرف متحركة بعدها حرف ساكن مثل : وَهَبنَا ، يصلَكمْ أما التفاعيل التي تكوّن بحور الشعر فهي ثمان : إثنتان منها خماسيتان ، أي تحتوي على سبب وووتد وست سباعية أي تحتوى كل منها في مقاطعها على أسباب وأوتاد مجموعة أو مفروقة وفواصل وهي في مجموعها كالتالي : فعولن-ــ فاعلن-ــ مفاعيلن -ــ مفاعلتن -ــ متفاعلن -ــ مستفعلن -ــ فاعلاتن -ــ مفعولات ومنها تتكون بحور الشعر الستة عشر بالتزاوج بينها او بالتكرار للتفعيلة الواحدة
حول مسألة قصيدة النثر
مسألة قصيدة النثر ...والتخلص من القافية ..وقصيدة التفعيلة الواحدة هي من المسائل التي تثير جدلا واسعا بين صفوف النقاد والمثقفين ...نعرف نحن أن الشعر الكلاسيكي أو العمودي يخضع لشروط معينة منها الوزن والإلتزام ببحور الشعر، والإلتزام بالقافية الواحدة أو عدة قوافي متنوعة ولكنها تسير حسب طريقة معينة ...وهذا هو الذي كان سائدا ومعروفا وقد برع في ذلك الشعراء العرب الكبار فكانوا يوافقون بين هذه الشروط وبين متطلبات الشعر ودوافعه من خيال وتصوير للأحاسيس والمشاعر وتعبير عن أفكار فلسفية أو حياتية أو غير ذلك ..ثم أخذ الشعر التقليدي في الإنحدار فصار الشعراء والمتشاعرون يخوضون ميدان الشعر دون موهبة أو قدرة وتمكن فجاء الشعر العمودي ملتزما بقواعد القصيدة الأساسية ...ولكن دون أن تحتوي القصيدة على تلك المشاعر الجميلة أو الصور الموحية أو التحليق في عوالم الشعر الحقيقة ...وانتبه الأدباء والشعراء العرب إلى جمال المعاني والصور في القصيدة الغربية فقلدوها ..ودعاهم ذلك إل التخلي عن كل ماتعلموه ودرسوه عن قواعد الشعر التقليدية ،وعن القافية واستقلال البيت الشعري بمعناه وغير ذلك ...واقبلوا على قصيدة النثر التي تخلو من كل قيود الشعر بما في ذلك التفعيلة والإيقاع الشعري لسهولة كتابتها ...فجاءت القصائد الناتجة عن ذلك مشوهة غريبة وكثيرا ما تفتقد إلى جمال المعنى وحسن استخدام التشبيهات والإستعارات وغير ذلك مما تتميز به قصيدة النثر في الغرب .
وهذا ليس دفاعا عن القصيدة العمودية أو اتهاما لقصيدة النثر بالمروق والخروج عن أعراف الشعر ومناهجه ..وانما هو توضيح لملابسات خروج هذه القصيدة وعدم توفيق أتباعها بمن فيهم أدونيس نفسه زعيم شعراء الحداثة في كتابتها .....هذا لاينفي أن بعض الشعراء العرب وفقوا في كتابتها ...من هؤلاء أمل دنقل والبياتي وسعدي يوسف وغيرهم ...ولاتحضرني أسماء لشعراء خليجيين الآن
.
شعر التفعيلة أو قصيدة التفعيلة هي ( نص أدبي مجزأ إلى وحدات هي الأبيات ) كما عرفها الكاتب مصطفى حركات في مؤلفه ( الشعر الحر : أسسه وقواعده) وهو اتجاه جديد في الشعر العربي جاء كاختيار ثالث بين الشعر العمودي والشعر غير الموزون أي ما يسمى بقصيدة النثر التي لاتخضع لأي وزن شعري .أما شعر التفعيلة فإنه يخضع في الواقع لقيود الشعر ويسير الشعراء في نظم أبياته على بحور الشعر ولكن ليس بنفس الطريقة المألوفة ، ففيه يكتفي الشعراء باستعمال تفعيلة واحدة غالبا ...واهذا معناه لإكتفاء بالبحور البسيطة أو الصافية وهي البحور التي ينتج وزنها عن تكرار تفعيلة واحدة وهذه البحور هي :
الوافر- الكامل - الهزج- الرجز- الرمل- المتقارب - المتدارك.
هذه البحور تحتوي كما هو معروف لدى الدارسين على الأسباب والأوتاد ماعدا الوتد المفروق .وكما يعرف دارسي الشعر والشعراء أن السبب هو عبارة عن حرفين فالسبب الخفيف هو متحرك بعده ساكن مثل منْ ولمْ، والسبب الثقيل هو متحركان متتابعان مثل بمَولمَ. أما الوتد فهو وتد مجموع ووتد مفروق فالوتد المجموع عبارة عن متحركين وساكن مثل هنا ونعمْ والوتد المفروق متحرك ثم ساكن ثم متحرك مثل مات ، وعْـــد
إذن بحور الشعر المستعملة في هذه القصيدة هي أجزاء البحور الصافية وهي:
فعولن ، فاعلن ، مفاعلتن ، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتن
مع الإعتماد على الزحاف وهذا معناه تغيير التفعيلة بالحذف أو التسكين في الأسباب أو العلل وهي تختص بالأسباب والأوتاد، وهذا التغيير يقع في التفعيلة الأخيرة من البيت وغالبا ما يكون بإضافة ساكن إلى نهاية التفعيلة. ويلاحظ أن الكثير من شعراء قصيدة التفعيلة يستخدمون بحر المتدارك وهو البحر السادس عشر من بحور الشعر وذلك لسهولته وهو ياتي هكذا:
فاعلن فاعلن فاعلن ..................فاعلن فاعلن فاعلن
وفي هذا البحر تأخذ التفعيلة أيضا الشكل التالي :
فعلن فعلن فعلن .................فعلن فعلن فعلن
وقد يضاف ساكن في نهاية البيت فتصبح التفعيلة فاعلان أو فعلانْ وقد تصبح بعد الترفيل فاعلاتنْ . والقصيدة التالية لسميح القاسم كمثال توضح كيفية استعمال هذه التفعيلة مع الخبب في بعض أبياتها
مادامت لي من أرضي أشبارا
مادامت لي زيتونة
ليمونة...
بئر وشجيرة صبَّار..
مادامت لي ذكرى
مكتبة صغرى
صورة جدِّ مرحومٍ ...وجدار
مادامت في بلدي كلمات عربية
وأغان شعبية!
وهذه هي التفعيلة المستعملة :
فعْلن فعْلن فعْلن فعلاتنْ
فعـْلن فعـَلن فعلاتن
فعْلاتن
فعْلن فعْلن فعلاتان
فعْلن فعْلن فعْلن
فاعل فعـْلن فعْ
لــن فعـْلن فعـْلن فعْلن فعلان
فعـْلن فعـْلن فعلن فعلن فاعل فعـْلن
فعلن فعـْلن فعــْلن
والملاحظ تغير عدد التفعيلات من بيت إلى بيت
وأهم قصيدة ظهرت في شعر التفعيلة العربية هي قصيدة (الكوليرا ) لنازك الملائكة وكانت كما يقال هي القصيدة الأولى في هذالنوع من الشعر بينما يقول البعض أن الشاعر العراقي شاكر السياب في ديوانه المعروف هو أول من ابتدع أشكالا جديدة في الشعر العربي بقصيدته (هل كان حباًّ) التي نشرت في ديوانه ( أزهار ذابلة) وقد صدر هذا الديوان عام 1947 وهي نفس العام الذي صدر فيه ديوان نازك (شظايا ورماد) وفيه عدد من قصائدها التي سمتها قصائد حرة .
وعلى كلٍّ فإن شعر التفعيلة لايعتبر إبنا عاصيا للشعر العمودي التقليدي؛ وإنما هو شعر يبحث عن التجديد والتغيير دون الخروج عن وصاية الأب الأكبر وهو الشعر العربي التقليدي بأوزانه الثابتة وقافيته الواحدة ومعانيه المعروفة
وهناك قصائد جميلة جدا كتبت على هذه الأوزان الشعرية لشعراء كبار أمثال البياتي وبلند الحيدري وأمل دنقل و للسياب والبردوني وغيرهم.
وفي الوقع فإن لكل قصيدة جمالها وقيمتها الأدبية سواء أكانت كتبت على النهج التقليدي كقصائد المتنبي والمعري وأحمد شوقي وغيرهم من شعراء العربية العظام أو كتبت بالشكل الشعري الجديد الذي يناسب إيقاع هذا العصر ومتطلباته، وتبقى للمعاني الرفيعة وحسن اختيار الوزن والبحر الشعري المناسب والألفاظ الجيدة والجميلة التي تناسب المعنى وتوضحه ....أهمية قصوى في تحديد مدى جمال القصيدة وشعرية ..ولمن يريد الإستزادة توجد بعض المراجع المبسطة منها:
1- الشعر الحر، أسسه وقواعده تأليف مصطفى حركات
2- ديوان أزهار ذابلة لبدر شاكر السياب تحقيق حسن توفيق صدر عام 1981
3- صفحات من حياة نازك الملائكة للكاتبة حياة شرارة
4- دراسات نقدية في أعمال السياب ، حاوي دنقل ، جبرا
الثلاثاء، 26 يونيو 2012
عن الأديب ودوره في المجتمع
الأدب كما نعرف هو تعبير عن الذات ...عن كل مايتحرك داخل هذه الذات من مشاعر وعواطف وإحساسات ... ومهمَّة الأدب هي إثارة الإنفعالات والعواطف في نفوس المتلقين بل واسنتهاض الهمم إن دعت الحاجة إلى ذلك ... وقيمة العمل الأدبي تتمثَّل في قدرة الكاتب على جعل اللغة قادرة على الإيحاء وعلى التأثير في المتلقي .. هذا يتطلَّب امتلاكا كافيًا لناصية اللغة وقدرة على تطويعها لتعبِّر بدقِّـة ودون إملال عن مايريده الكاتب ...
لايكفي الكاتب التمكن من اللغة لكي يخلق أدبًا مؤثرًا في النفوس بل هو مطالبٌ بإلباس اللغة أجمل ملابسها لتبدو خلاَّبة فاتنة.....
هذا من ناحية ...ومن ناحية أخرى عليه أن يكسوها من ذاته الخلاقة بفيض من مشاعره وأحاسيسه ...ممايجعل للأدب قيمة ومغزى ....
ناحية اللغة وجمالياتها هوالشكل الفني للعمل الأدبي ....ونأتي لمايضمه هذا الشكل الفني وهو المضمون ...وهنا يبدأ الخلاف كما ذكر الشاهين في إضافته...
والآن ماهو المضمون الذي يريد الكاتب أن ينقله لنا؟...
هل هو مضمون أدبي خالص ..؟أم هو مضمون يحمل هدفامعينا....بمعنى أن يساهم أو يعمل على نشر القيم والفضائل في المجتمع كما كان الكتاب الكلاسيكيون يفعلون في وقت مضى ؟
هل المطلوب من الأديب مثلاأن يحمل هم المجتمع كله على كتفيه..فيصبح همه هو أن يعبر عنه وعن مشاكله وآماله وتطلعاته؟ ..
هل هو مطالب بالتركيز على زرع المثل العلياوالمباديء التي يؤمن بها مجتمعه ويسير عليها...حتى ولو كان ذلك على حساب الإبداع نفسه؟...
ولإن الإبداع لايتنفس ولاينطلق إلا في جو كاف من الحرية...فماهي حدود الحرية التي تمنح للمبدع لكي يتمكن من ممارسة إبداعه؟
وهل إذا اضطر الكاتب إلى التزييف من إجل إرضاء الآخرين ...فهل يعد إنتاجه أدبا؟
كيف ينبغي أن يكون المضمون؟...هل يترك هذا المضمون لحرية الكاتب نفسه ...ونظرته الشخصية للأمور المختلفة؟...أم أن المبدع يجب أن يضع في اعتباره أشيء كثيرة قبل أن يقدم على نشر إبداعاته.
ألايقضي تسخيره لإبداعه من أجل نيل القبول عند البعض مثلا على العفوية وعلى الإنسيابية في التعبير التي تتطلبها العملية الإبداعية؟.
كيف يمكن للمبدع الذي تنبثق بداخله في لحظات الإبداع طاقات انفعالية طاغية أن يحول هذه الطاقات إلى عمل أدبي مقنن أو مهجَّن ....
ولديَّ تساؤل مهم وهو : هل يمكن توظيف الأدب ليكون انعكاسا للمجتمع الذي يعيش فيه الأديب من ناحية ..ووسيلة للإرتقاء بهذا المجتمع من ناحية أخرى..؟...أم أنه يجب أن يترك لكل مبدع تحديد طريقته في التعبير عمايريد..؟
ثمَّ إلى أي مدى يمكن التسامح مع المبدع ؟....وهل يعاقب إن تجاوزالخطوط الحمراء المرسومة في مجتمعه؟ ...نعرف نحن أهمية الرقيب ودوره ولكن هل علينا حصر المبدع في دائرة مايجب ومالايجب ...ومايصح قوله ومايجب السكوت عنه..؟؟.أم أنه كمبدع يسمح له دون غيره بقدر كبير من حرية التعبير ؟.
وأيضا ..هل يصح أن نحول الأديب إلى مجرد مصلح إجتماعي أو مدافع عن رأي معين ...هل من حق المجتمع أوالسلطة توظيف مهارات المبدع وقدرته على الخلق والإبتكار من أجل أغراض معينة؟ ..
وتساؤلات كثيرة أرجو أن نجد لها إجابات مناسبة .
****
بالنسبة لتساؤل البعضر عن ماهية المضمون ...وهل أدب العبث واللا معقول أدب يحتوي على مضمون أم لا...فأعتقد أن نا بحاجة إلى التفكير في المضامين التي يكتبها الأدباء المتمرسون في عالم الأدب .. وقد يعرض البعض مايودون عرضه بلغة جميلة مفرداتها وصورها منتقاة بعناية بالغة ..وقد يهتم البعض بالفكرة دون اهتمام كبير بالأسلوب .. وفي مرحلة ما جاء أدب العبث يعبر في مضمونه عن الرفض والثورة حتى ولم كان في مظهره يبدولامعقولا أو لافكرة من ورائه ....
...فمثلا انتظار جودو هذا الذي لايأتي ...هو في الواقع يمثل الواقع المزري حين تضيق السبل ويصبح الخلاص مرهونا بقدوم شيء جديد أو انتظار شخصية مهيمنة تحتوي هذا الموقف الفارغ والذي لاقيمة له...انتظار طويل ولاجدوى منه ...أو ذلك مايبدو!
ألسنا الآن في حياتنا الراهنة في موقف مشابه؟..
أماالأدب الخيالي أو (الفانتازيا ) فهو في الواقع يوحي عن طريق الترميزأو ( التشطيح ) في عالم الخيال الفسيح بأمور كثيرة قد لايمكن قولها بطريقة واقعية صريحة.... روايات ماركيز جارسيا تحمل الكثير من الفانتازياأو بالأصح السحرية كما في ( ألف عام من العزلة ) مثلا ولكنها تعني الكثير ولها مغزى عميق ... رواية مثل ( روبنسون كروزو) أو (أليس في بلاد العجائب) أو ( دون كيشوت ) ...هل تعتبر روايات كهذه تافهة لأنها تدور في عوالم غريبة أو مختلقة ؟.. أعتقد أن من لايستطيع التعبير صراحة عمَّا في نفسه يلجأ إلى الفانتازيا أو إلى الى الرمزية الغامضة.... خذو عندكم كمثال كتابات الكاتبة السعودية ( رجاء عالم )...لابد أن الكثيرين منكم يعرفونها!!...رواياتها ومسرحياتها تسحب القاريء إلى عوالم غامضةمليئة بالسحر والغيبيات والتلميحات من خلال عبارات مكثفة وموحية ممَّايفجِّر الكثير من التساؤلات حول ماتريد الكاتبة قوله من خلال هذه الرمزية المجنَّحة والإغراق في الغموض .... هنا أيضا مضمونٌ ولكنه ليس متاحًا للجميع ..بل فقط لمن يتمكن من الوصول إليه.!!! ..
أماالأدب الخيالي أو (الفانتازيا ) فهو في الواقع يوحي عن طريق الترميزأو ( التشطيح ) في عالم الخيال الفسيح بأمور كثيرة قد لايمكن قولها بطريقة واقعية صريحة.... روايات ماركيز جارسيا تحمل الكثير من الفانتازياأو بالأصح السحرية كما في ( ألف عام من العزلة ) مثلا ولكنها تعني الكثير ولها مغزى عميق ... رواية مثل ( روبنسون كروزو) أو (أليس في بلاد العجائب) أو ( دون كيشوت ) ...هل تعتبر روايات كهذه تافهة لأنها تدور في عوالم غريبة أو مختلقة ؟.. أعتقد أن من لايستطيع التعبير صراحة عمَّا في نفسه يلجأ إلى الفانتازيا أو إلى الى الرمزية الغامضة.... خذو عندكم كمثال كتابات الكاتبة السعودية ( رجاء عالم )...لابد أن الكثيرين منكم يعرفونها!!...رواياتها ومسرحياتها تسحب القاريء إلى عوالم غامضةمليئة بالسحر والغيبيات والتلميحات من خلال عبارات مكثفة وموحية ممَّايفجِّر الكثير من التساؤلات حول ماتريد الكاتبة قوله من خلال هذه الرمزية المجنَّحة والإغراق في الغموض .... هنا أيضا مضمونٌ ولكنه ليس متاحًا للجميع ..بل فقط لمن يتمكن من الوصول إليه.!!! ..
الشكل والمضمون
الشكل والمضمون في الأدب بماذا يجب أن تتميز الكتابة الأدبيةعن غيرها من الكتابات ؟...وماهو الأهم في الكتابة الأدبية ..الشكل أم المضمون ؟..هذا سؤال يتردد في مجال الأدب بين حين وآخر.... إنَّ الأدب في مجمل تعريفه هو تعبير جمالي يعبر عن معاناة الأديب ويجسد أحاسيسه بلغة تتصف بصفات فنية إيحائية في مفرداتها وتراكيبها ومضامينها المعنوية وفي أشكالها البنائية الإبداعية . من هنا نخلص إلى أن هناك محتوى فني للأدب ...كما أنَّ هناك محتوى آخر تتضائل فيه هذه الفنية حتى تبتعد عن مواصفات الجمالية والفن الجميل. وتوجد أنواع من الكتابات الأدبية تحتوي على الشكل الفني الجمالي وبعضها لايمكن أن نطلق عليه هذه الصفة لخلوها من الجمال الفني حتى ولو كان المضمون جيدا. والأدب الذي يصح أن نسميه أدبا إنماهو ذلك الذي يتميز بفنية الشكل وفنية المضمون معا ممايهيؤه ليكون أثرا فنيا خالدا. من هنا نستنتج أن هناك ربطا بين الشكل والمضمون من الصعب الفصل بينهما ؛ ممايجعل مهمة الكاتب محدودة بقوانين معينةلايجوز للكاتب أن يتخطاها ، فلا يمكنه التركيز على الشكل الفني من حيث تهذيب الأسلوب وتجويد اللغة واختيار المفردات المصقولة بعناية على حساب المعنى والمضمون كماأنه لايمكنه التعبير عن المضمون بأسلوب ركيك ومفكك . هناك كتاب من ذوي التخصصات قد يبرعون في المواضيع التي يكتبونها بلغة راقية وسليمة، ولكن ذلك لايرقى إلى المستوى الأدبي الراقي، ولا يصل إلى السمو الفني الذي يصل إليه الأديب حين يكتب . المؤرخون مثلا مهما حاولوا تحسين لغتهم وأساليبهم يبقون مؤرخين وما كتبوه يبقى تاريخا ينظر إليه من زاوية علمية فاحصة للتأكد من صحة الحقائق التاريخيةوالمعلومات التي سجلوها ورووها في كتاباتهم....بينما لايطالب الأديب ( الراوي مثلا أوالقاص أوالشاعر ) بإاستحضار البراهين على صحة ماكتبه .. وإنماهومطالب فقط بالصدق في التعبير وبأن يكون أسلوبه فنيا ..أي أن يعبر عن ذاته باستخدام اللغة بطريقة فنية مناسبة للنص الأدبي. هذا هو الفرق بين الأديب وغيره ..وهذا هو الذي يمنح الكتابات الأدبية رونقها ويبقيها خالدة تستمتع بهاالأجيال في كل العصور. ومن خلال تميز الكاتب وقدرته على استعمال اللغة بشكل فني تتكون قيمته الأدبية ..ويحتل مكانه السامق بين صفوف المبدعين .
تساؤلات حول الرواية
تساؤلات حول الروايـة
لمَ يكتب الروائي روايته ولمن ؟…..ألايخطر ذلك ببال القاريء وهو يقرأ رواية ممتعة لروائي مبدع . ..غالبا ما ينشغل القاريء بمتعة القراءة بعيدا عن التفكير في كيفية ولادة هذه الرواية أوالمراحل التي مرت بها ابتداء من اختمارها كفكرة في ذهن كاتبها وحتى اكتمال فصولها ..وخلال عملية تجهيزها لتصل إلى القاريء كعمل مكتوب ومكتمل وواضح المعالم .من كان قارئا متمرسا قد يكتشف أثناء القراءة أو بعدهــا مدىمهارة الكاتب في بناء الرواية أو قد يثير تأمله المعنى الذي تدور حوله الرواية أو اختيارالفكرة التي تتمحور حولها الرواية .
من ماذا يتكوِّن مزاج الروائي وهو يكتب روايته ... أية أفكارقد تكون خطرت بباله قبل أن يكتب روايته ؟؟…
ماهو النوع الشعور الذي يلفه وهو مستغرق في كتابتها …?..هل هو مأخوذ بفكرة معينة يريد أن يعبر عنها عن طريق هذا النوع الأدبي الذي ظل لفترة طويلة من الوقت محتقرا وغير معترف به في عالم الأدب ..!
كيف بذل الكاتب جهدا في كتابة روايته وترتيب فصولها وشحذ الشخصيات المناسبة لها……؟ لم اختار أن يكتب رواية وليس شيئاآخر...؟….ماهي الحاجة الدافعةإلى كتابة روايةأصلا..؟….
من المهم ونحن نتساءل أن نصل إلى محاولة فهم معنى الروايةنفسها كإنجاز شخصي .. وكفضاء أدبي واسع بإمكانيات كبيرة ومساحات شاسعة للتعبير والتوصيف وبما تتيحه من قدرات على نقل الأحداث والمشاعر والأفكار لشخص يقف خارجها ..هوالقاريء
سينقلنا هذا إلى التفكير حول ماهو الهدف أو الأهداف من كتابة أي رواية… ما...الأهداف الرئيسية طبعا ….أما تلك الأهداف الخاصة التي تتعلق بكتابة كل رواية على حدة فهذا ماينبغي أن يجيب عليه كاتب الرواية وحده…..
من خلال تساؤلاتنا نهتم بالتعرف أولا على الروائي ؟…..ومن ثم التعرف على الطريقة التي اختارها ليعبر بواسطتهاعن نفسه ؟…..
كيف نفهم الروائي ونتبين وجهته وأهدافه….كيف نعرف ماهي دوافعه وماهي حدوده ….وأي طريق سيختاره ويحملنا على السير فيه معه ….ولم اختارهذا الطريق وليس ذلك.؟...
والإجابة أن لكل روائي طريقته……وجهة نظره التي تقوده إلى وجهة معينة يكاد لايخرج عنها… والتي تجعله يتسكع داخل وجهته تلك لا يبعد عنها إلا ليعود إليها من جديد.
إنه حين يكتب روايته تلك بعينها يكون واقعا تحت تأثير نفسي ملح …يكون ملبيا لنداء قد يصفه عالم النفس بإنه نداء عجيب يدفعه إلى محاولة خلق عالم خاص به …يلبي أيضا نداء المحاكاة كما عرفها افلاطون في محاولة تواقة للتعبير عن ذاته من خلال عمله … يصورفيه ماينعكس على مرآة روحه من أحداث وأحوال حدثت له بالتحديد أو لغيره من البشر…..قد لاتكون حدثت فعلا ولكنه تخيل حدوثها وعالجها وصورها وكأنها فعلا حدثت….يعمد حيناللإيضاح أويميل للغموض حسب مايحس أنه مناسبا لعالمه.. العالم الحقيقي الذي يعيش فيه …..أوعالمه ذاك الذي يخلقه ...عالم قد يكون موجود فعلا خارج ذاته …..ظاهر وواضح ولكنه يرسمه بطريقته هو وحسب إحساسه به…. عالم قائم بذاته لايعتمد على شخصيات ومشاهد ومغامرات يأتي بها ثم يسردها وكأنها حدثت بالصدفة….بل هي عالم له نظام وتماسك وتركيبة خاصة به…..رغم أنه عالم من الهشاشة ….غير ثابت ولامستقر …..قد يختفي أو ينقطع أو .يتفكك أو يبيد كما يقول "ستاندال ".
مالذي يريد الروائي أن يقوله في روايته ؟...
لعله هو نغسه وهو يطأ هذا العالم الغريب الكبير…. اللامحدود ….الصاخب ….المضطرب ...عالم الرواية يكون جاهلا لمايريد أن يمسك به من تضاريس هذا المكان الغريب... قد يعتوره الرعب فلايدري من أين يبدا السير ….ولامالذي عليه أن يحكم قبضته عليه …وقد يتردد قليلا قبل أن يتمكن من معرفة طريقه فيواصل مسيرته واثقا من كل خطوة يخطوها في هذا العالم المترامي الأطراف والذي لاحدود له أو قيود تحد من امتداده .
الروائي ليس بالشاعرٍالذي يعبر عن مكنوناته بالكلمات …..وليس فنانا يرسم مايراه أمامه على مساحة معينة بما يحب من ألوان …… إنه ساحرُمحاط بإمكانيات هائلة… تمنحها له الرواية بسخائها المعتاد ….ذاك السخاء الذي أخذ ته معها وهي تنزلق من عالم الملحمة الطموح والمتعالي …. إلى عالمها المتسع الغني بكل المتناقضات والترديات والأهواء ……..
روائي اليوم يعرف أن بوسعه أن يخوض في كل رواية مغامرة خاصة به …..وأن يسبح في عالم يخصه وحده ….عالم قد يبدو للقاريء الما خياليا بعيدا عن عالم الواقع...ولكنه في حقيقة امره عالم له قوانينه ونظامه ومراحله المختلفة….وإن كان كعالم مبتدع غير مستقر ولاثابت ..عالم يحركه الروائي كيفما شاء …مدفوعا بأحاسيسه وفكرته عن العالم الحقيقي ….بمواقفه منه ….بخبراته ومتاعبه ….ومساقا بشعور داخلي ملح لأن يخرج هذا العالم من داخله ويعرَِف الآخرين عليه ….إنه عالم حقيقي ……عالم موجود في ذاته…..وهوأي الروائي يعرض عالمه هذا بجسارة حقيقية أمام الآخرين … يكشف الستار عنه دون حرج أو خوف .
هناك من بين الروائيين المعروفين عالميا من ولد روائيا بالفطرة ….وبينهم من ولد شاعرا لايعرف كيف يعبر إلا بالشعرثم أغرته الرواية فهجر الشعر إليها كمن يخون حبيبة وجد روحه تستقر عند أخرى غيرها .. وهناك المترددالذي اكتشف مواهبه الروائية في سن متأخرة ….من هؤلاء بلزاك الذي لم يقرر أن يكون روائيا إلا في الثلاثين من عمره وستاندال الذي اكتشف مهاراته في كتابة الرواية بعد سن الأربعـــين.
تقودنا التساؤلات الأولى إلى مسألة الشخصيات .. لنتساءل من أين يأتي الروائي بشخصياته ...؟..أهي مخلوقة أم موجودة وهو فقط يكشف عن وجودها ...؟..
الروائي الحقيقي يبتدع شخصياته من وحي اتجاهاته ونوازعه وتخيلاته ولكنه أيضا يصمم شخصيات كان من الممكن أن يكونها أو يمثلها أو يعيش من خلالها..
شخصيات غير حقيقية ولكنها حين تبرزها قدرات الروائي المتمكن تبدو وكأنها حقيقية وواقعية .
ولكنه أيضا يأخذ شخصيات حقيقية فيلبسها من خياله ماشاء ويضعها في رواياته وكأنها شخصيات مبتكرة.
الروائي الحقيقي يخلق شخصياته بواسطة الإتجاهات العديدة لحياته الممكنة.والروائي المزيف هو الذي لايعرف سوى طريقة واحدة لكتابة حياته .
هذه الملاحظة التي ذكرها الناقد الشهير تيبويه جديرة بالإنتباه فعلا.
كيف يفعل الروائي مايفعله بشخصياته الحقيقية وغير الحقيقية ؟ …؟.وكيف يستطيع ان يكتب عن حيوات لم يعشها ولم تمر عليه تجاربها…وأحداثها...؟
الحال عندالروائي هو الحال نفسه عندالمسرحي وعند الشاعر ...هناك منطقة ما في اللاوعي تتجمع فيها مواضيع والأفكار والملاحظات تنتظر هناك حتى يحين موعـــد خروجها وإطلاق سراحها …..مواضيع تجمعت من أحداث خارجـــية من قراءات …تجارب شخصية ….بعضها أليم وبعضها مؤثر وبعضها صادم ..تجمعت كلهامن مصادر متعددة ومختلفة ….وقد يحمل الروائي افكاره الداخلية هذه لمدة طويلة من الوقت ثم فجأة يحدث ما يهيئ الفرصة لولادة العمل الروائي …..وكأنه يملك بداخل عقله حقولا مليئة بالبذور تنتظرفقط المناخ الجيد والتلقيح المناسب لتنتج وتطرح ثمارها.
لايكتب الروائي حين يكتب وهومستعبد من قبل ذكرياته ومسجون داخل تجاربه الخاصة ….بل هو يتنقل بكامل حريته في جهات كثيرة ويسبح في فضاءات عدة داخل حيوات الآخريـــن
إنه وجود جديـد يمنحه الروائي بلمسته قيمة وتميزا ويهبه القدرة على التحرك داخل المجال الروائي الرحب.
هل هو ذكاء الروائي ذاك الذي يقوده إلى إنتاج عالمه الخاص أم هو إحساسه الذي يدفعه للتعبير عن نفسه بشكل متفرد …..ولعلها غريزة خاصة تتحكم في إبداع الروائي فتجعله ملزما بالسير في اتجاه معين ومحدد لايخرج منه إلا ليعود إليه.
من أين يأتي بشخصياته ..ألا نتساءل أيضا عن ذلك ؟...من المهم أن تكون الشخصية في الرواية خاضعة لكل مايخضع له الإنسان العادي من أحكام وقوانين طبيعية محكومة ببيئة وجينات وراثية وظروف عائلية وأحوال تخضع لأحكام الجتمع الذي يعيش فيه…تعاني من ظروف الحياة المختلفة …أليس الكاتب يوجدها ليجعلها تقدم لنا صورة من حياة البشر ، …إذن فليمنحها الصفات الشخصية والمؤهلات التي تجعلها قادرة على القيام بدورها بكفاءة .
مهمة الكاتب الروائي أن يصف الناس على حقيقتهم ، وأفضل طريقة لخلق شخصية روائية هي اختراع كامل لها....هذا ماتقوله كاتبة الخبيرة بفن الرواية "ديان فاير"
هذا يقودنا إلى فكرة الرواية لنتساءل معا : هل تقوم الرواية على فكرة ما أم على مجموعة متعددة ومترابطة من الأفكار ... ألابد من فكرة معينة لصنع رواية ما....؟ أحد الروائيين الشهيرين في عصرنا هذا وهو ميلان كونديرا يعترف بقوله (إن الرواية ماهي إلا فكرة متنكرة في شكل رواية )....فهل الفكرة هي الأساس في الرواية أم أنها قد تكون وسيلة مساعدة لصنع رواية !!.. إن كانت الفكرة هي الأساس فمالذي تفعله تلك الروايات الكثيرة التي يبدو أنها كتبت على عجل ودون أن تكون وراءها أي فكرة مهمة أوحتى غير مهمة ...طبعا غير فكرة أن يعرف الكاتب من خلال هذه الرواية وينتشر إسمه ذاك الذي يضعه على غلاف الرواية ؟؟؟.
الفكرة التي تحرك الرواية هي تلك التي تبقى ساكنة هامدة في رأس الروائي ثم تتحفز للخروج متى ماسنحت لها الفرصة المناسبة، حينها تخرج على شكل عمل أدبي يحمل الكثير مما يختزنه الكاتب بداخله مماكان سابقا يتماوج هناك على شكل ظلال وأشكال مبهمة وغير واضحة المعالم والحدود…. تتحول هذه المخزونات إلى عمل على الورق تبدأ معاناة الكاتب مع ترتيب هذه الأفكار والشخوص وكيفية إعداد المساحة أو الفضاء الذي تتحرك فيه هذه الشخوص وتحرك الأفكار معها مجيئا وذهابا وصعودا وهبوطا داخل بناء محكم ومنظم ….. قد تتعثر الفكرة الرئيسية أو تتبدد خلال عملية طرحها وتوزيعها داخل العمل ….قد يحدث بعض التذبذب في عرضها أو قد تتمزق بعض الخيوط نتيجة لمحاولة التوفيق بينها وبين الشخوص والحبكات المتعددة…..فتصبح مفككة وغير واضحة المعالم……قد تتداخل الأفكار والأحداث والشخوص مكونة فيما بينها مزيجا متناقضا أو ممزقـا متعسرا جمعه وترتيبه ….لكن ومع استمرار الكتابة يحدث ودون انتظار أن تبزغ الفكرة واضحة مرتبة وتتوالى الأحداث سهلة ودون تعقيد …حتى تصل إلى نهايتهـا
واللغة هل سلاستها وجمالها مطلب هام وضرورة لابد منها في كتابة الرواية ؟؟
الكاتب الماهر يستخدم كل إمكانيات اللغة التي يملكها للتعبير عن مايريد دون الخوض في ذلك مباشرة .....هناك كلمات موحية ...وهناك أساليب بلاغية تؤدي الغرض في إيصال الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها للقاريء .
الأسلوب في الحقيقة مهم جدا في العمل الروائي ……جمال الأسلوب يجعل الرواية جذابة ومشوقة…..وكلما اهتمَّ الكاتب بأسلوبه ...وتجنب الإكثار من القول…كلما أضفى على روايته ألقا ونضارة….هو في الواقع يأتي من الأهمية بمكان كبير.
اختيار الكلمات المناسبة الموافقة للمعنى ضروري جدا في الرواية ، فماتؤديه كلمة من معنى لاتؤديه كلمة أخرى ، وهذا هو رأي فلوبير فلكل معنى كلمة واحدة محددة عنده يجب استعمالها هي وليس غيرها لتلائم المعنى المطلوب .كل كلمة يجب أن تكون في مكانها المحدد ..وأن تكون مناسبة وملائمة وفي نفس الوقت جميلة معبرة ، هناك أيضا استخدام التشبيهات الجيدة الموافقة للمواقف أو للصور ، وهناك الإستعارات المناسبة ، والمجاز والرمز والإيحاء بالكلمات والصور …هناك الكثير من الإمكانيات اللغوية التي إذا استعملت بعناية ودقة تؤدي إلى خلق لغة جميلة خصبة …توحي بالغزارة وثراء الفكر لدى الروائي …وتؤدي إلى تعميق المعاني وترسيخ الأفكار المبثوثة في الرواية .
ممالاشك فيه أنَّ الروائي الجيد صانع ماهرٌ …يصنع من الكلمات شخصيات ومواقف وصورأ وأفكارا …ولذاعلى الكاتب أن يهتم بلغته التي تقوم عليها صناعته الروائية …والتي بواسطتهاتتحدد موهبته
….كتاب الرواية العظام من أمثال بروست وجويس وهنري جيمس كانوا يقضون وقتا كبيرا في تنقيح رواياتهم واختيار مفرداتها والعمل على سبكها في نظم نثري بديع . فلوبير العظيم نفسه كان يعاني بشدة من عملية اختيار العبارات المناسبة تماما للمعنى المراد… هؤلاء كانوا أصلا متمكنين من اللغة ومفرداتها ، عالمين بأسرار ومكنونات تلك اللغات التي يكتبون بها …وما محاولاتهم تلك للتجويد والتحسين إلا من قبيل المفاضلة بين المفردات المختلفة بما تحمله كل مفردة من إيحاءات ومدلولات خاصة بها …وبالتحديد هو من باب التعلق بأهداب الكمال في كتاباتهم ….هؤلاء أحسنوا صنعا …فما تخليد كتاباتهم وأعمالهم لقرون طويلة إلا بسب قدراتهم الكبيرة وعملهم على الوصول بكتاباتهم إلى مرتبة الكمال ….ومن الطبيعي جدا أن تكون أعمالهم الفنية ناضجة ومكتملة من حيث الفكرة والنسيج الروائي ومن حيث تكوين الشخصيات و إدارة الأحداث وتسلسلها الزمني واختيار المكان المناسب للأحداث وبقية ما تتطلبه الرواية من تنظيم وتخطيط….أما الإعتماد على أسلوب منمق جميل في أنه يؤدي إلى فشل الرواية الذريع كرواية واعتبارها مجرد شكل فني جمالي لاهدف له سوى الإمتاع اللغوي.
الرواية المتكاملة هي تلك التي تجتمع فيها مكونات جيدة من اختيار اللغة والأسلوب والفكرة المناسبة ...وتلك التي تحمل على عاتقهاعبْ تصوير الإنسان الحقيقي كما هو لاكما يوجد في خيال الروائي الفاشل …مخلوقا منورق منالرواية المتكاملة هي تلك التي تجتمع فيها مكونات جيدة من اختيار اللغة والأسلوب والفكرة المناسبة ...وتلك التي تحمل على عاتقهاعبْ تصوير الإنسان الحقيقي كما هو لاكما يوجد في خيال الروائي الفاشل …مخلوقات من ورق .. تلك المخلوقات السطحية التي لاتعبر عن الإإنسان حقيقي بمافيه من خير وشر.
اللغة الجيدة و الأسلوب المناسب مع الفكرة الواضحة التي نلحظ حركتها من خلال شخصيات لها دور حقيقي ..ولها كيان إنساني هو أهم ماتمتاز به أي رواية ناحجة ....وهذا هو مايفعله الروائي الناجح الذي نحب أن نقرأه... والذي يهمنا معرفة كيف كتب روايته ولأي سبب.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)