الثلاثاء، 26 يونيو 2012

تساؤلات حول الرواية

    تساؤلات حول الروايـة   لمَ يكتب الروائي روايته ولمن ؟…..ألايخطر ذلك ببال القاريء وهو يقرأ رواية ممتعة لروائي مبدع .  ..غالبا ما ينشغل القاريء بمتعة القراءة بعيدا عن التفكير  في كيفية  ولادة هذه الرواية أوالمراحل التي مرت بها ابتداء من اختمارها كفكرة في ذهن كاتبها وحتى اكتمال فصولها ..وخلال عملية تجهيزها لتصل إلى القاريء كعمل مكتوب ومكتمل وواضح المعالم  .من كان قارئا متمرسا قد يكتشف أثناء القراءة أو بعدهــا مدىمهارة الكاتب في بناء الرواية أو قد يثير تأمله المعنى الذي تدور حوله الرواية أو اختيارالفكرة التي تتمحور حولها الرواية . من ماذا يتكوِّن  مزاج الروائي وهو يكتب روايته ... أية أفكارقد تكون خطرت بباله قبل أن يكتب روايته ؟؟… ماهو النوع الشعور الذي يلفه وهو مستغرق في كتابتها …?..هل هو مأخوذ بفكرة معينة يريد أن يعبر عنها عن طريق هذا النوع الأدبي الذي ظل لفترة طويلة من الوقت محتقرا وغير معترف به في عالم الأدب ..! كيف بذل الكاتب جهدا في كتابة روايته وترتيب فصولها وشحذ الشخصيات  المناسبة لها……؟ لم اختار أن يكتب رواية وليس شيئاآخر...؟….ماهي الحاجة  الدافعةإلى كتابة روايةأصلا..؟…. من المهم ونحن نتساءل أن نصل إلى محاولة فهم معنى الروايةنفسها كإنجاز شخصي .. وكفضاء أدبي واسع بإمكانيات كبيرة ومساحات شاسعة للتعبير والتوصيف وبما تتيحه من قدرات على نقل الأحداث والمشاعر والأفكار لشخص يقف خارجها ..هوالقاريء سينقلنا هذا إلى التفكير حول ماهو الهدف أو الأهداف من كتابة أي رواية… ما...الأهداف الرئيسية طبعا ….أما تلك الأهداف الخاصة التي تتعلق بكتابة كل رواية على حدة فهذا ماينبغي أن يجيب عليه كاتب الرواية وحده….. من خلال تساؤلاتنا نهتم بالتعرف أولا على الروائي ؟…..ومن ثم التعرف على الطريقة التي اختارها ليعبر بواسطتهاعن نفسه ؟…..   كيف نفهم الروائي ونتبين وجهته وأهدافه….كيف نعرف ماهي دوافعه وماهي حدوده ….وأي طريق سيختاره ويحملنا على السير فيه معه ….ولم اختارهذا الطريق وليس ذلك.؟... والإجابة أن لكل روائي طريقته……وجهة نظره التي تقوده إلى وجهة معينة يكاد لايخرج عنها… والتي تجعله يتسكع داخل وجهته  تلك لا يبعد عنها إلا ليعود إليها من جديد. إنه حين  يكتب روايته تلك بعينها يكون واقعا تحت تأثير نفسي ملح  …يكون  ملبيا لنداء  قد يصفه  عالم النفس  بإنه نداء عجيب يدفعه إلى محاولة خلق عالم خاص به …يلبي أيضا نداء المحاكاة كما عرفها افلاطون في محاولة تواقة للتعبير عن ذاته من خلال عمله … يصورفيه ماينعكس على مرآة روحه من أحداث وأحوال حدثت له بالتحديد أو لغيره من البشر…..قد لاتكون حدثت فعلا ولكنه تخيل حدوثها وعالجها وصورها وكأنها فعلا حدثت….يعمد حيناللإيضاح أويميل للغموض حسب مايحس أنه مناسبا لعالمه.. العالم الحقيقي الذي يعيش فيه …..أوعالمه ذاك الذي يخلقه ...عالم قد يكون موجود فعلا خارج ذاته …..ظاهر وواضح ولكنه يرسمه بطريقته هو وحسب إحساسه به…. عالم قائم بذاته لايعتمد على شخصيات ومشاهد  ومغامرات يأتي بها ثم يسردها وكأنها حدثت بالصدفة….بل هي عالم له نظام وتماسك وتركيبة خاصة به…..رغم أنه عالم من الهشاشة ….غير ثابت ولامستقر …..قد يختفي أو ينقطع أو .يتفكك أو يبيد كما يقول "ستاندال ".   مالذي يريد الروائي أن يقوله في روايته ؟... لعله هو نغسه وهو يطأ هذا العالم الغريب الكبير…. اللامحدود ….الصاخب ….المضطرب ...عالم الرواية يكون جاهلا  لمايريد أن يمسك به من تضاريس هذا المكان الغريب... قد  يعتوره الرعب فلايدري من أين يبدا السير ….ولامالذي عليه أن يحكم قبضته عليه …وقد يتردد قليلا قبل أن يتمكن من معرفة طريقه فيواصل مسيرته واثقا من كل خطوة يخطوها في هذا العالم المترامي الأطراف والذي لاحدود له أو قيود تحد من امتداده . الروائي ليس بالشاعرٍالذي يعبر عن مكنوناته بالكلمات …..وليس فنانا يرسم مايراه أمامه على مساحة معينة بما يحب من ألوان …… إنه ساحرُمحاط  بإمكانيات هائلة… تمنحها له الرواية بسخائها المعتاد ….ذاك السخاء الذي أخذ ته معها وهي تنزلق  من عالم الملحمة الطموح والمتعالي …. إلى عالمها المتسع الغني بكل المتناقضات والترديات والأهواء …….. روائي اليوم يعرف أن بوسعه أن يخوض في كل رواية مغامرة خاصة به …..وأن يسبح في عالم يخصه وحده ….عالم قد يبدو للقاريء الما خياليا بعيدا عن عالم الواقع...ولكنه في حقيقة امره عالم له قوانينه ونظامه ومراحله المختلفة….وإن كان كعالم مبتدع غير مستقر ولاثابت ..عالم يحركه الروائي كيفما شاء …مدفوعا بأحاسيسه وفكرته عن العالم الحقيقي ….بمواقفه منه ….بخبراته ومتاعبه ….ومساقا بشعور داخلي ملح لأن يخرج هذا العالم من داخله ويعرَِف الآخرين عليه ….إنه عالم حقيقي ……عالم موجود في ذاته…..وهوأي الروائي يعرض عالمه هذا بجسارة حقيقية أمام الآخرين … يكشف الستار عنه دون حرج أو خوف . هناك من بين الروائيين المعروفين عالميا من ولد روائيا بالفطرة ….وبينهم من ولد شاعرا لايعرف كيف يعبر إلا بالشعرثم أغرته الرواية فهجر الشعر إليها كمن يخون حبيبة وجد روحه تستقر عند أخرى غيرها .. وهناك المترددالذي اكتشف مواهبه الروائية في سن متأخرة ….من هؤلاء بلزاك الذي لم يقرر أن يكون روائيا إلا في الثلاثين من عمره وستاندال الذي اكتشف مهاراته في كتابة الرواية بعد سن الأربعـــين.   تقودنا التساؤلات الأولى إلى مسألة الشخصيات .. لنتساءل من أين يأتي الروائي بشخصياته ...؟..أهي مخلوقة أم موجودة وهو فقط يكشف عن وجودها ...؟.. الروائي الحقيقي  يبتدع شخصياته من وحي اتجاهاته ونوازعه وتخيلاته ولكنه أيضا يصمم شخصيات كان من الممكن أن يكونها أو يمثلها أو يعيش من خلالها.. شخصيات غير حقيقية ولكنها حين تبرزها قدرات الروائي المتمكن تبدو وكأنها حقيقية وواقعية . ولكنه أيضا يأخذ شخصيات حقيقية فيلبسها من خياله ماشاء ويضعها في رواياته وكأنها شخصيات مبتكرة. الروائي الحقيقي يخلق شخصياته بواسطة الإتجاهات العديدة لحياته الممكنة.والروائي المزيف هو الذي لايعرف سوى طريقة واحدة لكتابة حياته . هذه الملاحظة التي ذكرها الناقد الشهير تيبويه جديرة بالإنتباه فعلا.  كيف يفعل الروائي مايفعله بشخصياته الحقيقية وغير الحقيقية ؟ …؟.وكيف يستطيع ان يكتب عن حيوات لم يعشها ولم تمر عليه تجاربها…وأحداثها...؟   الحال عندالروائي هو الحال نفسه عندالمسرحي وعند الشاعر ...هناك منطقة ما في اللاوعي تتجمع فيها مواضيع والأفكار والملاحظات  تنتظر هناك حتى يحين موعـــد خروجها  وإطلاق سراحها …..مواضيع تجمعت من أحداث خارجـــية من قراءات …تجارب شخصية ….بعضها أليم وبعضها مؤثر وبعضها صادم ..تجمعت كلهامن مصادر متعددة ومختلفة ….وقد يحمل الروائي افكاره الداخلية هذه لمدة طويلة من الوقت ثم فجأة يحدث ما يهيئ الفرصة لولادة العمل الروائي …..وكأنه  يملك بداخل عقله  حقولا مليئة بالبذور تنتظرفقط المناخ الجيد والتلقيح المناسب لتنتج وتطرح ثمارها. لايكتب الروائي حين يكتب وهومستعبد من قبل ذكرياته ومسجون داخل تجاربه الخاصة ….بل هو يتنقل بكامل حريته في جهات كثيرة ويسبح في فضاءات عدة داخل حيوات الآخريـــن إنه وجود جديـد يمنحه الروائي بلمسته قيمة وتميزا ويهبه القدرة على التحرك داخل المجال الروائي الرحب. هل هو ذكاء الروائي ذاك الذي يقوده إلى إنتاج عالمه الخاص أم هو إحساسه الذي يدفعه للتعبير عن نفسه بشكل متفرد …..ولعلها غريزة خاصة تتحكم في إبداع الروائي فتجعله ملزما بالسير في اتجاه معين ومحدد لايخرج منه إلا ليعود إليه.   من أين يأتي بشخصياته ..ألا نتساءل أيضا عن ذلك ؟...من المهم أن تكون الشخصية في الرواية خاضعة  لكل مايخضع له الإنسان  العادي من أحكام وقوانين  طبيعية محكومة ببيئة وجينات  وراثية وظروف عائلية وأحوال  تخضع لأحكام الجتمع الذي يعيش فيه…تعاني من ظروف الحياة المختلفة …أليس الكاتب يوجدها  ليجعلها تقدم لنا صورة من حياة البشر ، …إذن فليمنحها الصفات الشخصية والمؤهلات التي تجعلها قادرة على  القيام بدورها  بكفاءة . مهمة الكاتب الروائي أن يصف الناس على حقيقتهم ، وأفضل طريقة لخلق شخصية روائية هي اختراع كامل لها....هذا ماتقوله كاتبة الخبيرة بفن الرواية "ديان فاير" هذا يقودنا إلى فكرة الرواية لنتساءل معا : هل تقوم الرواية على فكرة ما أم على مجموعة متعددة ومترابطة  من الأفكار ... ألابد من فكرة معينة لصنع رواية ما....؟ أحد الروائيين الشهيرين في  عصرنا هذا وهو ميلان كونديرا يعترف بقوله (إن الرواية ماهي إلا فكرة  متنكرة في شكل رواية )....فهل الفكرة هي الأساس في الرواية أم أنها قد تكون وسيلة مساعدة لصنع رواية !!.. إن كانت الفكرة هي الأساس فمالذي تفعله تلك الروايات الكثيرة التي يبدو أنها كتبت على عجل ودون أن تكون وراءها أي فكرة مهمة أوحتى غير مهمة ...طبعا غير فكرة أن يعرف الكاتب من خلال هذه الرواية وينتشر إسمه ذاك الذي يضعه على غلاف الرواية ؟؟؟. الفكرة التي تحرك الرواية هي تلك التي تبقى ساكنة هامدة في رأس الروائي ثم تتحفز للخروج متى ماسنحت لها الفرصة المناسبة، حينها تخرج على شكل عمل أدبي يحمل الكثير مما يختزنه الكاتب بداخله مماكان سابقا يتماوج هناك على شكل ظلال وأشكال مبهمة وغير واضحة المعالم والحدود…. تتحول هذه المخزونات إلى عمل على الورق تبدأ معاناة الكاتب مع ترتيب هذه الأفكار والشخوص وكيفية إعداد المساحة أو الفضاء الذي تتحرك فيه هذه الشخوص وتحرك الأفكار معها مجيئا وذهابا وصعودا وهبوطا داخل بناء محكم ومنظم ….. قد تتعثر الفكرة  الرئيسية أو تتبدد خلال عملية طرحها وتوزيعها داخل العمل ….قد يحدث بعض التذبذب في عرضها أو  قد تتمزق بعض الخيوط نتيجة لمحاولة التوفيق بينها وبين الشخوص والحبكات المتعددة…..فتصبح مفككة وغير واضحة المعالم……قد تتداخل الأفكار والأحداث والشخوص مكونة فيما بينها  مزيجا متناقضا أو ممزقـا  متعسرا جمعه وترتيبه ….لكن ومع استمرار الكتابة يحدث ودون انتظار أن تبزغ الفكرة واضحة مرتبة وتتوالى الأحداث سهلة ودون تعقيد …حتى تصل إلى نهايتهـا   واللغة هل سلاستها وجمالها مطلب هام وضرورة لابد منها في كتابة الرواية ؟؟ الكاتب الماهر يستخدم كل إمكانيات اللغة التي يملكها للتعبير عن مايريد دون الخوض في ذلك مباشرة .....هناك كلمات موحية ...وهناك أساليب بلاغية تؤدي الغرض في إيصال الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها للقاريء . الأسلوب  في الحقيقة مهم جدا في العمل الروائي ……جمال الأسلوب يجعل الرواية  جذابة  ومشوقة…..وكلما اهتمَّ الكاتب بأسلوبه ...وتجنب الإكثار من القول…كلما أضفى على روايته ألقا ونضارة….هو في الواقع يأتي من الأهمية بمكان كبير. اختيار الكلمات المناسبة  الموافقة للمعنى  ضروري جدا في الرواية ، فماتؤديه كلمة من معنى لاتؤديه كلمة أخرى ، وهذا هو رأي فلوبير فلكل معنى كلمة واحدة محددة عنده يجب استعمالها هي وليس غيرها  لتلائم المعنى المطلوب  .كل كلمة يجب أن تكون في مكانها المحدد ..وأن تكون مناسبة وملائمة وفي نفس الوقت جميلة معبرة ، هناك أيضا استخدام التشبيهات الجيدة الموافقة للمواقف أو للصور   ، وهناك الإستعارات المناسبة ،  والمجاز والرمز والإيحاء بالكلمات والصور …هناك الكثير من الإمكانيات اللغوية التي إذا استعملت بعناية ودقة تؤدي إلى خلق لغة جميلة خصبة …توحي بالغزارة وثراء الفكر لدى الروائي …وتؤدي إلى تعميق المعاني وترسيخ الأفكار المبثوثة في الرواية . ممالاشك فيه أنَّ الروائي الجيد صانع ماهرٌ  …يصنع من الكلمات شخصيات ومواقف وصورأ وأفكارا …ولذاعلى الكاتب أن يهتم بلغته التي تقوم عليها صناعته الروائية …والتي بواسطتهاتتحدد موهبته ….كتاب الرواية العظام من أمثال بروست  وجويس  وهنري جيمس كانوا يقضون وقتا كبيرا في تنقيح رواياتهم  واختيار مفرداتها والعمل على سبكها في نظم نثري بديع .   فلوبير العظيم نفسه كان يعاني بشدة من عملية اختيار العبارات المناسبة تماما للمعنى  المراد… هؤلاء كانوا أصلا متمكنين من  اللغة ومفرداتها ، عالمين بأسرار ومكنونات  تلك اللغات التي يكتبون بها …وما محاولاتهم تلك للتجويد والتحسين إلا من قبيل المفاضلة بين المفردات المختلفة بما تحمله كل مفردة من إيحاءات ومدلولات خاصة بها  …وبالتحديد هو من باب التعلق بأهداب الكمال في كتاباتهم ….هؤلاء أحسنوا صنعا …فما تخليد كتاباتهم وأعمالهم  لقرون طويلة إلا بسب قدراتهم  الكبيرة وعملهم على الوصول بكتاباتهم إلى مرتبة الكمال ….ومن الطبيعي جدا أن تكون   أعمالهم الفنية ناضجة ومكتملة من حيث الفكرة  والنسيج الروائي ومن حيث تكوين الشخصيات و إدارة الأحداث وتسلسلها الزمني واختيار المكان  المناسب  للأحداث وبقية ما تتطلبه الرواية من تنظيم وتخطيط….أما الإعتماد على أسلوب منمق جميل في أنه يؤدي إلى فشل الرواية الذريع كرواية واعتبارها مجرد شكل فني جمالي  لاهدف له سوى الإمتاع اللغوي. الرواية المتكاملة هي تلك التي تجتمع فيها مكونات جيدة من اختيار اللغة والأسلوب والفكرة المناسبة ...وتلك التي تحمل على عاتقهاعبْ تصوير الإنسان الحقيقي  كما هو لاكما يوجد في خيال الروائي الفاشل …مخلوقا منورق منالرواية المتكاملة هي تلك التي تجتمع فيها مكونات جيدة من اختيار اللغة والأسلوب والفكرة المناسبة ...وتلك التي تحمل على عاتقهاعبْ تصوير الإنسان الحقيقي  كما هو لاكما يوجد في خيال الروائي الفاشل …مخلوقات من ورق .. تلك المخلوقات السطحية التي لاتعبر عن الإإنسان حقيقي بمافيه من  خير وشر. اللغة الجيدة و الأسلوب المناسب مع الفكرة الواضحة التي نلحظ حركتها من خلال شخصيات لها دور حقيقي ..ولها كيان إنساني هو أهم ماتمتاز به أي رواية ناحجة ....وهذا هو مايفعله الروائي الناجح الذي نحب أن نقرأه...  والذي يهمنا معرفة كيف كتب روايته ولأي سبب.  

ليست هناك تعليقات:

أرشيف المدونة الإلكترونية