الأربعاء، 5 أكتوبر 2011

هل نعاني من ندرة المفكرين في بلادنا ؟

أرضنا لاعلاقة لها بهذا التقزُّم الفكري .... فيما مضى كان لدينا علماء ومفكرون وفلاسفة ومخترعون في مجالات متعددة ...ولم يتوقف التفكير إلا حين بدأت القوى المتسلطة في محاربة الفكر وإيذاءالمفكرين وسجنهم ومضايقتهم بشتَّى الطرق والوسائل ... واستمر الحال على ذلك حتى غاضت منابع الإبداع وجَّفت مسارات الفكر ... وهكذا .. وبسبب اختفاء الفكر على مدى السنوات وصلنا إلى مانحن عليه الآن من تأخر في جميع مجالات الحياة ....
فجأة انتبهنا إلى حجم الكارثة ... بحثنا ودرسنا واكتشفنا أنَّ طرق التعليم التي اقتبسناهامن غيرنا والتي تعتمد على التلقين والحفظ دون وعي ولافهم ولاأي محاولة لإشراك الفكر فيها كانت إحدى الأسباب الهامة في مأساة اضمحلال الفكر عندنا ....
نعم المؤسسات التعليمية عندنا هي أكبر أعداء للتفكير ؛ فالتعليم الذي يعتمد على التلقين وتمرير المعلومات من المرسٍل إلى المستقبل دون حاجة إلى إشغال خلايا المخ وعصيباته أو إرهاقها بعمليات التفكير المعروفة : كغربلة المعلومات وتحليلها واستخلاص النتائج وإيجاد الحلول لبعض المشكلات .. هذه الطريقة في التعليم تلغي دور العقل الذي وهبنا إياه الله تعالى وأمرنا باستخدامه...
... بالإضافة إلى ذلك تأتي التربية الخاطئة التي تعتمد على : استمع .. أطع ...نفِّذ .... لاتفكر بل نفذ مايريده الآخرون .... وهذا ينطبق أيضا على مجال العمل.. فالموظف مطالب بتنفيذ مايطلب منه دون نقاش ... وهكذا ينتقل الشخص من مؤسسة قمعيِّة إلى مؤسسة أكثر قمعا وتشددا في مسائل الفكر وإبداء الرأي ....
هي مؤسسات " نفِّذ فقط ولاتسأل" ..أي إياك وأن تُعمل الذهن في التخطيط والتدبير وإيجاد الحلول ... كن فقط الشخص النَّمطي الذي يريدونه وإلا كان التأديب والفصل والطرد من نصيبك .
ثم الحوار المفقود في بيئتنا... وما الحوار إلا وسيلة التواصل الأرقى بين البشر ... والطريقة الوحيدة لاستخراج الأفكار من مكامنها وفحصها وإعادة ترتيبها .....
الحوار غائب في عملية التواصل فيمابيننا ... التواصل داخل الأسر يكون بين الآباء والأبناء بالأوامر والمطالبة بالطاعة العمياء .. وبين الأزواج بالشجار وارتفاع الأصوات .... وبين الأقرباءبعدم المواجهة وتفضيل الغيبة والنميمة على الحوار الصريح ....
والحوار مع الآخرين يكون إما بقبول رأي من علينا مهابته واحترامه مهما كان خاطئاٌأو لاقيمة له .... أو برفض رأي من لاسلطة له علينا ... وتسفيه الرأي المخالف ... ومن هنا تنشأ الخلافات والمشاجرات ...
أخبار الحوادث في صحفنا تفيدنا بأنّ معظم المشاجرات العنيفة والجرائم الشنيعة تأتي بسبب اختلافات الرأي .... أما أن يكون هناك حوار هاديء يقنع فيه أحد الأطراف الطرف الآخر برأيه أو يتفق معه ، أويتقبُّل مايقوله ولكن دون الإقتناع التام به ...هذا مالانجده عندنا ..
وممانلاحظه في مجتمعنا عدم احترام الشخص المفكِّر إن وجد بيننا ؛ فنحن نخاف من فكرالمفكِّر ..لذانعمل على ترويضه وتشذيبه وإعادته إلى حظيرة "اللامفكرين " وإلا كان نصيبه منا الإيذاء والتشهير ..بل واستخدام سلاح الدين ضده ... مع أن ديننا الحنيف يأمرنا بالتفكُّر والتدبَّر وإعمال العقل :(أفلا يعقلون ) ..(أفلا تذكرون ) ...وهكذا ...
ولاننسى أن نذكر أنَّ احترام العلماء والمفكرين مفقود في ثقافتنا وفي وعينا الجمعي ..
من يفِّكر هو أقرب للكفر منه إلى الإيمان في نظرنا ... هذا هو مبلغ علمنا ... وكأننا نعيد ترتيب حروف كلمة "التفكير" لتصبح "التكفير"....!..
حالياًّ نرى أن أصحاب الفكر والثقافة يعيشون في عزلة واغتراب عن المجتمع .. بينما تمتليء الشاشات وصدارات الصحف بصور وأخبار لاعبي كرة القدم ونجوم التمثيل والمغنى والمهرِّجين وكل من لاعلاقة له بفكرأو ثقافة ..
أما عملية منع الكتاب الذي يحمل فكرا وثقافة من تخطِّى حدود بلادنا لفترة ، فقد حرمتنا لوقت طويل من مصادر الثقافة الهامة للفكر ، وساهمت بالتالي في تسطيح الفكر وملأ الذهن بالخرافات وما لافائدة له من معلومات ...
ومن المعلوم أن التفكير يرتبط بالذكاء وبالمعرفة ... من لامعرفة لديه يفتقد القدرة على التفكير المنطقي ... ومهما كان الذكاء فطريا يبقى ناقصاٌ بدون تفكير سليم ومعرفة كافية ...
هكذا ولكل الأسباب السابقة وغيرها فقدنا القدرة على التفكير ... وضاعت منا مهاراته ووسائله .. ولندرة التفكير صار الشخص الذي يستخدم عقله يُعتبر إنسانا شقياً مبتلى بداء الفكر المخيف ...!
وليس مستغربا أن نسمع بين حينٍ وآخر عبارات كهذه : ( لاتتعب نفسك بالتفكير ) .. ( ولاتوجع رأسك ) ... التفكير في نظرنا مرتبطٌ بالشقاءوالمعاناة ووجع الرأس ...!!

وبعد ذلك كيف لنا أن نعجب لندرة المفكرين في بلادنا ؟....



ليست هناك تعليقات:

أرشيف المدونة الإلكترونية